مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

شارك هذا المنشور

لقد خسرت ابني في مسبح المنزل .. والان ابنتي تتعلم السباحة

مجلة فوياج الإلكترونية مقالات لقد خسرت ابني في مسبح المنزل والان ابنتي تتعلم السباحة
تم النشر في مايو 7, 2019
Last Updated on مايو 16, 2019 by Ishraq Arafeh

بقلم إيركا لانديز

في العاشر من تموز من عام 2010، خسرت ابني الوحيد: نوح. لقد غرق في المسبح. وكان حينها بعمر السنتين وبضعة أشهر فقط. وكان ذلك في أول يوم انتقالنا إلى منزل أبي بعد أن مر ثلاثة أشهر على وفاة أمي. وقررنا الانتقال إلى العيش معه لينال الرفقة ولنوفر بعض المال.

حينها، كنت في المطبخ لدقائق، وجميع أبواب المنزل كانت مفتوحة. وعلى بعد عشرين قدما، كان ابني نوح جالسا يشاهد التلفاز في غرفة المعيشة، ويتناول بعضا من الزبيب. وكان زوجي في كراج المنزل مع والدي. 

وكانت أبواب الحديقة الخلفية والتي يقع فيها المسبح مغلقة. ولم أتوقع بتاتا أن يتمكن ابني من فتحها وبهدوء شديد دون أن يلفت نظر أي واحد فينا إليه. وعندما عدت إلى تلك الغرفة كان قد اختفى! توقعت أنه يلعب لعبة الغماية.  فبدأت بالبحث داخل المنزل، بينما ذهب كل من زوجي ووالدي إلى البحث خارجه. وبعد عدة ثوان، سمعت صرخة وطرطشة ماء. لقد قفز زوجي إلى المسبح، بينما هرع والدي إلى الاتصال بالإسعاف. ووقفت أنا في المطبخ بحالة صدمة.

لقد كنت أقلل من قدرات نوح. لقد كان طفلا هادئا. ولم يكن شديد الفضول. ربما كان حريصا أكثر من اللازم. وكنت قد تكلمت مع والدي في صباح ذلك اليوم حول تعلقه بي. وأنا اخبركم هذه القصة لكل أهل يظن أنه من المستحيل على ابنهم القيام بأي شيء. لأن ما لم يكن بالحسبان وما لم نتوقعه بتاتا قد حصل!

بعد أن خسرت ابني. فقدت معنى الحياة. لقد تحولت إلى جحيم. أصبحت أنا وزوجي نغير القنوات التي يظهر فيها مشهد المياه في المسابح بالإعلانات التجارية. وكنا نشد على أيدي بعض عندما نسمع صراخ طفلا في الأماكن العامة.

كنا ننام لفترات طويلة. ألقيت بنفسي في وظيفة جديدة، خرجنا من المدينة، ذهبنا في رحلات نهارية ومسائية لأماكن لم نذهب لها من قبل. كنا بالأساس نحاول الهرب من أنفسنا، ولم يكن ذلك ممكنا بالطبع.

بعد وفاة ابني بعامين ونصف، أنجبت ابنتي. أسميتها ميريام العنقاء. ولم نكن نذكر لها الماء إلا في أثناء مرورنا بالبحيرات إلى حديقة الحيوان. وكان يشدها مشهد نوافير المياه وقوارب الجدف والشلالات مع يافطة تحذير: “لا تقترب من الماء دون مرافقة أمك وأبيك”. وكانت تكرر ذلك التحذير بمجرد أن تلمح البحيرات ومن دون أن نسألها ذلك. وبسذاجة، ظننا أن ذلك كافيا؛ حمايتها بإبعادها تماما عن الماء.

وفي عمر السادسة، سألتني: “أمي، كيف ذهب نوح إلى الجنة؟”

كنت اخبرها أن جسده توقف عن العمل، ولكن الآن، لا أريد أن أكذب. فقلت لها أنه لم يكن يعرف السباحة وذهب بالقرب من الماء دون ماما ولا بابا. كان صغيرا، ولم يعي الكثير، ولم يتمكن من التنفس تحت الماء. فتوقف جسده عن العمل وذهب إلى الجنة.

كنت قد تأملت أن تبدأ دروس السباحة قبل أن أخبرها ذلك كي لا تخاف الماء. لقد أردتها طفلة طبيعية مع حرص صحي من الماء دون أن يمنعها ذلك من الاستمتاع به. 

وسن السادسة سنا متأخرة لتبدأ بها دروس السباحة. لقد جائتنا دعوات لحفلات سباحة رفضناها. فلم نكن قادرين على مواجهة مخاوفنا بعد. حتى بالرغم من إلحاح الأهل والأصدقاء على ضرورة تعليمها السباحة مبكرا.

وفي سن الروضة، التحقت ميريام ببرنامج بعد المدرسة. كنا قد أحببنا المعلمين وأردنا أن تذهب ليوم في التخييم هذا الصيف. ولكن أدركنا أنه يجب تعليمها السباحة قبل ذلك. وأخيرا، أخبرت البرنامج أن ابنتي جاهزة لتلقي دروسا في السباحة.

في الأسبوع السابق لدروس السباحة، أردت تعريف ميريام عن قرب بالماء. لقد وضعت قدميها في المحيط أول مرة وهي بعمر السادسة. وهو أمر طبيعي لأطفال نيوجرسي لمن هم أقل عمرا. وحاولت حينها ضبط أفكاري وأعصابي بالتركيز على تلك اللحظة. على الشعور بالرياح والرمال. وأيضا بتجاهل صراخ الأهل على أطفالهم وعلى المراهقات ممن يلتقطن صور السلفي بخلفية المحيط.

حينها أمسكت بإحكام يد ميريام ونحن في طريقنا نحو المياه. وقفنا في الرمال وبدأ الموج يأتي ويبتعد. شعرنا بأقدامنا تنغرس في الرمال. وتحدثنا عن مدى قوة المياه. وأخبرتني كيف أن المياه كانت تدغدغ قدمها.

وبعد أن عدنا. أخبرتها أنها ستبدأ دروسا للسباحة. فسألتني إن كان هناك قرش وأسماك في المسبح، وعندما علمت أن فقط ماء، تحمست. فعلمت أنها جاهزة!

وفي الليلة التي سبقت درس السباحة، كان ثوب السباحة معلقا على مقبض باب غرفتها وكله صدف. شاهدنا فيلما عن سمك القرش. وفي اللحظة التي تفكر فيها أن ذلك قرارا سيئا بمشاهدة مثل هذا النوع من الأفلام لأول درس سباحة لها، إلا أنه كان بداية للكثير من الأحاديث المشوقة. 

فقد تكلمنا عن الخيارات التي يتخذها الناس. عن الحياة والموت والشجاعة. كما تحدثنا عن التنفس وكيف أن الإنسان عاجز عن التنفس تحت الماء. وأهمية تعلم السباحة لأجل ذلك. ومدى أهمية التنفس مدى الحياة.

أما عن نفسي، فقد كنت أحضر نفسي لدرسها الأول من خلال التنفس بعمق، التحضير لسماع كل ما يتعلق بالمسبح من رائحة الكلور وأصوات الارتطام بالماء. ولكن ذلك لم يمنع هاجس الخوف من حصول شيء ما لميريام. لقد تنفست وأنا استرجع ذكريات ذلك اليوم، من أصوات سيارة الإسعاف والضوضاء في غرفة الإنعاش. ولا أستطيع أن أكذب. لقد جعلني التوتر ألتهم كيسان من التشيبس أثناء كل ذلك التنفس.

في درسها الأول، لم تستطع ميريام الدخول إلى الماء بسرعة. كان هناك مدربان والمنقذ. لقد كانوا جميعا حساسين لموقفي. تبعتها بعيني وهي تمشي بمحاذاة البركة نحو السلم. وكنت جالسة في الماء، في نهاية السلم. أردت أن أسبح وأشعر بانعدام التوازن منذ تسع سنوات. لكن لا، لم أشأ أن أكون مصدر إلهاء لميريام. أريدها أن تركز على المدربين فقط.

لقد ظنت ابنتي أنها قادرة على الدخول إلى الماء والسباحة. كانت متحمسة لذلك لدرجة أنها أرعبتني. وفي تلك اللحظة، أدركت كم هو مهم تعليمها السباحة الآن. وليس السنة التالية أو التي بعدها.

لقد بكيت كثيرا وأنا جالسة على السلم أشاهد ابنتي. بكيت ارتياحا من تجاوز العقبة. بكيت فخرا لأجلي ولأجل ابنتي. وبكيت ممتنة للمدربين.

جاء الدرس الثاني. وقبل الثالث، سألتني ابنتي أن أردت انتظارها هناك بعيدا مع بقية الأهل، بدلا من الجلوس على سلم حوض السباحة. فذهبت وشاهدتها عبر النافذة.

لقد أرادت أن تكون طبيعية، واحترمت ذلك.  تمنيت لو أنني كذلك أيضا. لقد كان الكابوس ينتابني طيلة الوقت. ولكنني أردت أن أعتمد مقولة: “زيفه حتى تصدقه”. ولأجلها أصبحت ممثلة بارعة!

والآن، وبحسب المدربين، فإن ميريام تتأقلم بشكل جيد مع الماء. وأنا أيضا.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية

لا يمكنك نسخ النص!