مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

شارك هذا المنشور

كيف تمكّنت التقنية من الاستحواذ علينا؟!

مجلة فوياج الإلكترونية مقالات كيف استحوذت التقنية على حياتنا
تم النشر في أبريل 12, 2019

بقلم آدم آلتر

منذ الصغر، ويهوى البشر ضغط الأزرار المضيئة ذات الموسيقى. فالبهجة من ردة الفعل الإيجابية تعد سبب الإدمان على مختلف الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. وليس بوقت بعيد عندما دخلت المصعد في الطابق الثامن العشر في مبنى طويل بمدينة نيويورك، وكانت المرأة الشابة داخل المصعد تنظر للأسفل إلى رأس طفلها وهي محرجة لأنه كان ينظر إلي مع ابتسامة عريضة. وعندما التفت لضغط زر الطابق الأرضي، وجدت أن كافة الأزرار كان قد تم الضغط عليها وجميعها مضاءة.

يحب الأطفال ضغط الأزرار، وفقط يضغطونها عندما تضيء نتيجة لذلك. ومن عمر صغير، يتوق البشر إلى التعلّم الذي يشمل على تغذية راجعة سريعة. فالطفل كان ينظر إلي مبتسما لأن جميع الأزرار التي ضغطها أضاءت، فكانت سبب بهجته.

ولكن هذه الحاجة إلى ردة الفعل لا تنتهي مع انتهاء الطفولة. ففي عام 2012، أنتجت وكالة إعلانية في بلجيكا حملة دعائية لقناة تلفزيونية والتي سريعا انتشرت بين الناس. إذ قام المنتجون بتركيب زر أحمر ضخم الحجم على تمثال في إحدى ساحات بلدة فلاندرز الهادئة. مع سهم بتعليمات بسيطة: ”اضغط الزر لتضيف بعضا من الدراما“. ويمكنك رؤية البريق في عين كل رجل وامرأة ممن اقترب من الزر. وهو نفس البريق الذي رأيته بعيني الطفل داخل ذاك المصعد.

وكان قد حاول بعض الأطباء النفسيين من فهم استجابة الحيوانات لأشكال مختلفة من ردة الفعل. إذ في عام 1971 جلس الطبيب النفسي مايكل زيلر في مختبره مع ثلاث حمامات جوعى، وكانت الاختبارات في تلك الفترة ترتكز على الجرذان والحمام فقط، ولكن لأهداف سامية. فمثلا، هل يمكن لسلوك الحيوانات أن تعلّم الحكومات كيف تشجّع العمل الخيري وتقلل من نسبة الجريمة؟ هل لها أن تُلهم روّاد الأعمال طرق تحفيز العاملين من ذوي المناوبات الكثيرة على تجديد نظرتهم للعمل؟ وهل يمكن أن يتعلّم الأهالي كيفية تربية الطفل المثالي؟

وقبل أن يتمكّن زيلير من تغيير العالم، كان عليه العمل بأفضل الطرق لإيصال المكافأة. وإحداها كانت المكافأة لكل تصرّف محبب، والأخرى تتمثل بمكافأة مجموعة من التصرفات المحببة بشكل مفاجئ وذلك لخلق جو من الغموض، وهو نفسه الذي يُشجّع الناس على شراء المزيد من تذاكر اليانصيب!

وكان قد عمل على تربية الحمام داخل مختبره، وبالتالي فهم على معرفة بالتدريب. فكل واحدة ترتفع باتجاه زر وتنقره بشكل مستمر على أمل أن تحصل على بعض الطعام. وفي بعض التجارب، كان زيلير يعمل على تعديل برمجة الزر بحيث يعمل على إنزال الطعام في كل مرة يتم نقره، وفي تجارب أخرى، يعمل على إنزال الطعام في بعض المرات وليس في كل مرة يتم نقر الزر فيها. وأحيانا يصبح لون الزر أحمر متوهجا عند نقره دون إنزال لأي طعام.

وعندما علمت بعمل الطبيب زيلر، ظننت أن أفضل الطرق كانت المكافأة التي تحصل في كل مرة يتم نقر الزر فيها. ولكن لم يكن الواقع كذلك! فالنتائج لم تكن متقاربة أبدا. فقد كانت تنقر الحمامات الزر الضعف عندما لم يتم إنزال أي طعام (المكافأة) في كل مرة. فقد تبيّن أن هرمون الدوبامين يتم فرزه عند عدم توقّع المكافأة. وتمكّن زيلير من توثيق حقيقة هامة حول ردة الفعل الإيجابية، فكلما كانت أقل كانت إيجابية أكثر! فقد كانت الحمامات منقادة إلى الغموض تماما كما ينقاد البشر إلى المخاطرة في لعب القمار.

وبعد دارسة زيلر بعقود، وفي عام 2012 قام مجموعة من المبرمجين في الفيسبوك بإجراء تجربة حول ردة الفعل لمئات الملايين من الناس. فحاليا، يملك الموقع 200 مليون مستخدم، والذي سيتضاعف ثلاث مرات في السنوات الثلاث القادمة. وهذه التجربة تمثّلت ببساطة في نقر زر (أعجبني) أو Like.

ومن الصعب المبالغة كيف لزر أعجبني أن غيّر من نفسية المستخدمين. فقد تمكّن كل واحد منهم من التعبير والتفاعل مع الآخرين. وحتى المستخدمون ممن يلعبون القمار، فإنهم يقومون بمشاركة ما يحصل معهم بنشر حالتهم أو صورة أو حتى رابط.

والمنشور من دون أي إعجاب مؤلم جدا، وليس ذلك فحسب، وإنما استنكار لدى العامة. فإما أنك لا تملك ما يكفي من الأصدقاء أو الأسوأ: عدم تمكّنك من الاستحواذ على إعجابهم! كالحمام، الذي كان يأمل أكثر بالمكافأة عندما لم تكن مضمونة.

ويعدّ الفيسبوك أول موقع تواصل اجتماعي قدّم زر أعجبني، ثم ظهر في المواقع الأخرى المشابهة. إذ يمكنك الآن التعبير عن إعجابك في تويتر وإنستغرام واليوتيوب وGoogle+، وLinkedIn.

وأصبح فعل الإعجاب موضع جدال بما يتعلق بالآداب.  مثلا، ما الذي يعنيه عدم إعجابك بمنشور صديقك؟ وإن أعجبت بأحد المنشورات، فهل يعني ذلك عدم إعجابك بالأخرى؟ لقد أصبح الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعي شكل من أشكال الدعم الاجتماعي، وهي تساوي الضحك على نكتة صديقك التي أطلقها في مكان عام.

ثم قام راميت شاولا، وهو مبرمج شبكي بتطوير تطبيق كنوع من النشاط التسويقي وأيضا هو تجربة اجتماعية للكشف عن أثر زر الإعجاب. وعندما أطلق التطبيق، كتب شاولا هذه المقدمة في الصفحة الرئيسة:

”أصبحت الناس مدمنة. ونحن نشهد انسحابا. إننا منقادون لهذا المخدر. فالحصول على نقرة واحدة تسبب لنا ردود فعل غريبة. أنا أتكلم عن نقر زر أعجبني. لقد ظهر كأول مخدر رقمي ليتحكم بثقافتنا.“

وسمّى شاولا تطبيقه Lovematically، وهو يقوم تلقائيا بالإعجاب على صورة يرسلها المستخدم من خلال صفحته. فلم يصبح ضروريا لأي منشور أن يثير الإعجاب. فأي منشور قديم كاف ليتم الإعجاب به.

وبعد مضي ثلاثة أشهر، أصبح المستخدمون يعجبون بالمقابل بكل منشور ينشره شاولا. وتمكّن من جذب 30 متابع جديد كل يوم لحسابه بما مجموعه 3 آلاف متابع خلال فترة التجربة. وفي يوم القديس فالانتاين، سمح شاولا لخمسة آلاف مستخدم لموقع إنستغرام بتحميل نسخة من تطبيقه. إلا أنه بعد ساعتين فقط، قام موقع الإنستغرام بإغلاق التطبيق لاختراقه شروط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يُفاجئ ذلك شاولا، لقد علم مسبقا بما سيقوم به الإنستغرام. فهو بالنسبة لذلك الموقع تاجر المخدرات الجديد الذي يعمل على توزيعها مجانا! – بحسب شاولا-.

ولكنه لم يتوقع أن يحصل ذلك بتلك السرعة. لقد ظن شاولا أن يتم إغلاق تطبيقه بعد أسبوع على الأقل. إلا أن الإنستغرام تصرّف بسرعة غير متوقعة!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية

لا يمكنك نسخ النص!