مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

عندما سألتني صغيرتي عن فلسطين مقالات مقالة رئيسة التحرير إشراق كمال عرفة مجلة فوياج الإلكترونية
مقالات

عندما سألتني صغيرتي عن فلسطين

شارك هذا المنشور
عندما سألتني صغيرتي عن فلسطين مقالات مقالة رئيسة التحرير إشراق كمال عرفة مجلة فوياج الإلكترونية
(رسمة خريطة فلسطين للفنان التركي أديغة باتور)
بقلم إشراق كمال عرفة – رئيسة التحرير

تبلغ صغيرتي سبعة أعوام. وهي تهوى السؤال عن كل شيء. لاحظت ذلك بعد قيامي بسحب الألعاب الإلكترونية منها منذ ما يقارب العام. لقد جعلها ذلك أكثر إدراكا وانتباها لما حولها. حتى أنها بدأت تقوم بصنع مسرحيات من الدمى، تحل الألغاز، تقرأ القصص وتكتبها، وترسم شخصياتها المفضلة، وغيرها الكثير.

أريد قصة

لا تكتف صغيرتي بالإجابات البسيطة، وإنما تطلب دوما قصة، مثل قصص عن الصداقة والدراسة والطعام الصحي وبرّ الوالدين والجنة وغيرها. وهو أمر وجدته تحدّيا لي في بعض الأحيان. إلا أنه كان دوما فرصة لأزرع فيها الدروس والقيم، على أمل أن تستفيد منها بشكل أفضل. ثم جاء ذلك اليوم الذي سألتني فيه عن فلسطين.

العدوان الصهيوني على غزة

بدأ الأمر عندما كنت ذلك اليوم، أتابع أخبار العدوان الصهيوني الأخير على غزة المحاصرة، الذي بدأ في 10 مايو 2021 واستمر لـ 11 يوما، وانتهى بانتصار غزة بوقف إطلاق النار دون أي شروط. كنت أتابع أكثر من حساب نشط على تويتر من داخل غزة، ومن دول الأشقاء، أبرزها سلطنة عُمان وقطر والأردن. جاءت صغيرتي، وجلست بجانبي. وعلى الفور أشحت بهاتفي بعيدا عن بصرها. سألتني: “ما هذا؟.” لم أرد أن ترى الموت والدمار في غزة. فهي لا تزال صغيرة! فكل هجمات العدو الصهيوني كانت تستهدف الأبراج السكنية والمزارع والأطفال:

لماذا هم مجرمون؟

تعلم صغيرتي أن نصفها فلسطيني، وأن فلسطين يحتلّه اليهود الصهاينة منذ عام 1948، بعد طرد شعبها وسرقة البيت والأرض، ومنعهم من العودة إليها. ولا يزالون يعتدون حتى الآن على الفلسطينيين في القدس، ويطردونهم منها، ويهاجمونهم أثناء الصلاة. هذا غير اقتحامهم بيوتهم وخطفهم النساء والرجال والأطفال، وحرق عائلات كاملة، كما حصل مع عائلة الدوابشة في 2015، الذي أدى إلى استشهاد الأم والأب والرضيع، ونجاة الطفل أحمد، الذي أصبح وحيدا. ثم قررت مشاركتها فيديو انهيار برج الشروق السكني، بعد أن استهدفه جيش الاحتلال في 12 مايو 2021:

سألتني: “لماذا يفعلون ذلك؟” قلت: “لأنهم مجرمون” قالت: “لماذا هم مجرمون؟” سكت، ثم قلت بعد برهة: “إنه الحقد على المسلمين، والجشع في أرضهم ومالهم”.

لماذا فلسطين؟

كان سؤالها التالي: “لماذا يهاجمون فلسطين وليس مكانا آخر؟” قلت لها: “فلسطين دولة جميلة جدا! فيها الكثير من الثروات الطبيعية، كما أنها في قلب الوطن العربي مما يجعل منها موقعا متميزا”. في نفسي، لم أقتنع أنها الأسباب الوحيدة التي دفعت بالصهاينة لاختيار فلسطين دون غيرها. وخاصة مع مكانتها الدينية المتميزة؛ ففيها مهد المسيح، وقبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين.

النظام التعليمي خال من القضية الفلسطينية

كل ما أعرفه عن فلسطين لم أتعلّمه من المدرسة ولا حتى الجامعة، وإنما من الأخبار عبر التلفاز وأحاديث الناس. أذكر أن أختي الكبرى كانت تدرس مقررا باسم القضية الفلسطينية عندما كانت في الإعدادية، إلا أنه اختفى بعدها.  قلت لابنتي: “أتدرين يا صغيرتي؟ سؤالك ذكي جدا، وسأبحث لك عن سبب اختيار فلسطين دون غيرها!”

وطن قومي لليهود

بعد قليل من “الجوجلة”، تبيّن أن فلسطين لم تظهر بداية في مخطط الأب الروحي للدولة اليهودية، ثيودور هرزل Theodor Herzl كوطن قومي ليهود أوروبا، الذين كانوا يعانون وقتها من الإهمال والاضطهاد في أواخر القرن التاسع عشر:

حيث وجد في الأرجنتين خيارا أفضل، لشبهها وقربها من أوروبا، مما برأيه، سيسهّل من هجرة اليهود إليها. ثم توجّهت مطامعه إلى فلسطين لاحقا، لأنه رأى أن العقيدة هي الوسيلة الوحيدة التي سيتمكن من خلالها من جمع اليهود، ودفعهم إلى الهجرة إليها، وإنشاء وطن لهم.

نبوءة العودة

كان أبرز من شجع هرزل على بناء وطن لليهود في فلسطين، رجل الدين المسيحي وليام هيكلر William Heckler. حيث قام بتزويد هرزل بأسباب دينية وتاريخية لاختيار فلسطين دون غيرها. إذ بحسب مدونة محمد العوض، قام هيكلر بشرح خرائط ورسومات تاريخية تعزز من نبوءة العودة. ثم شاركه ذلك الفكر، النائب اليهودي البريطاني صموئيل مونتاجو Samuel Montagu، الذي قال:

“لو كانت فلسطين .. فسأرحل أنا وجميع عائلتي”.

هذه المرّة تعلّمت منك

“أتعلمين يا صغيرتي؟ هذه المرّة أنا من تعلّمت منك!” قالت بدهشة: “كيف؟” قلت لها: “بسؤالك عن سبب اختيار اليهود لفلسطين دون غيرها، تعلّمت أمورا جديدة. كما أنك أعطيتني فكرة لمقالة ” فرحت صغيرتي وقالت: “يا إلهي! سأصبح إذن مشهورة”. ابتسمت وقلت: “نعم، وسيدرك الكثير من الناس أهمية معرفة تاريخ القضية الفلسطينية وإحياءها في قلوب أطفالهم.”

قصة الجدة

في النهاية، جاء سؤال صغيرتي كما توقعت: “أخبريني قصة عن فلسطين!” أخبرتها قصة حقيقية لإحدى اللاجئات الفلسطينيات التي وُلدت في مدينة نابلس عام 1948، عام النكبة، بعد أن هربت أمها بها من مذبحة دير ياسين. وبعدها هاجرت مع والديها إلى الأردن. ثم أخبرتها كيف عاشت تلك اللاجئة طفولتها وهي تتألم لبكاء والدتها على فراق منزلها وحديقتها في اللدّ. أخبرتها أن هذه القصة كنت قد كتبتها مسبقا على لسان تلك اللاجئة، وقمت بعرضها لها لتقرأها كاملة.

قالت ابنتي: “يا لها من قصة حزينة. لا أريد أحدا أن يسرق منزلي عندما أكبر!”

ملحوظة: جرائم الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين المذكورة في هذا المقال، هي غيض من فيض. وهي لا تزال مستمرة حتى الآن!
للإطلاع على المزيد من مقالات رئيسة التحرير، من هنا.

لا يمكنك نسخ النص!