مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

شارك هذا المنشور

صناعة السعادة: كيف باعت لنا الحكومات والشركات الكبرى الرفاهية؟

صناعة السعادة ويليام ديفيز
تم النشر في ديسمبر 26, 2019

تمهيـــد

إن كلمة “باعت” في عنوان الكتاب، تشير مبدئيا إلى أن موضوعه يدور حول عملية التسويق. وهذا ما يثبت لاحقا عندما نجده يركز على تاريخ علوم الاقتصاد والتسويق، وكيف استغلت الشركات علم النفس والسلوك لدى البشر لتغيير أهوائهم واحتياجاتهم حتى تتمكن من بيع منتجاتها إليهم. هذا من جانب، ومن جانب آخر، يظهر أن الاهتمام المؤخر بصحة الإنسان العقلية ورفاهيته وتقدير الموظف، ما هي إلا طرق حتى تزيد من استهلاك البشر وإنتاجيتهم! الكتاب علمي بامتياز، وفيه العديد من النظريات التي تم تطويرها في علم الاقتصاد والإعلان والتسويق والنفس. ونجد أنه يفتقر من نظريات الاجتماع والسياسة، لأنها ببساطة لم تشهد التطور ذاته المطرد في المجالات السابقة، لسبب واحد، وهو توجّه الحكومات والشركات إلى إخضاع البشر لرغباتهم، دون أن تفتح المجال في تطوير سياساتها وأنظمتها بحسب ما يناسبهم.

المؤلف

المؤلف هو ويليام ديفيز، وهو أستاذ في علم الاجتماع والاقتصاد السياسي. له كتابات في مختلف الصحف السياسية والاقتصادية مثل Financial Times و Political Quarterly وغيرها. وله كتاب The Limits of Neoliberalism. ويعمل في التدريس بجامعة Goldsmiths في لندن. نشر كتابه هذا في 2015.

تحوّل اهتمامات المنتدى الاقتصاي العالمي

تذكر مقدمة الكتاب التحول في اهتمامات المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي كان يعنى في البداية بتدهور نمو الانتاجية في أوروبا، ثم أصبح شغله إزالة قيود السوق في الثمانينات، وفي التسعينيات زاد اهتمامه بالابتكار. وفي القرن الجديد زاد اهتمامه في المجالات الاجتماعية والأمنية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. وفي 2008، تنامى اهتمامه بإعادة الانتعاش الاقتصادي وبالرفاهية.

انتشار تقنيات السعادة

في 2014 استقبل المنتدى الاقتصادي العالمي أفكارا حول طرق الاسترخاء والصحة العقلية والبدنية، وتحسين فعالية الدماغ. وأصبح هناك عروضا تسويقية تساهم في ذلك، من حيث الاهتمام بصحة الإنسان من ناحية النوم والرياضة والطعام الصحي، على أساس أن ذلك هو مصدر السعادة. وتلاها ترويج لتقنيات لزيادة احساس الناس بالسعادة، وانتشر أساتذة مختصون في تعليم السعادة، تحت اسم معلم تنمية روحية Jolly Good Fellow لتعليم الناس كيفية تحصيل السعادة من خلال الاستغراق العقلي والتعاطف. ودخلت السعادة في مجال الاعمال ومهارات الإدارة. ثم انتشر مفهوم اقتصاديات السعادة، وهي مجموعة من البيانات الكافية لبناء صورة دقيقة لمعرفة مناطق وانماط الحياة والاستهلاك لتحقيق السعادة لدى الإنسان.

السعادة تشريحيا

يمكن تحفيز السعادة والتعاسة، من خلال اكتشاف أجزاء في الدماغ مسؤولة عن توليد الانفعاليات الإيجابية والسلبية. منها الاحساس بالرضا والتحكم بدرجة الألم. ويرى علم السعادة القدرة على التغلب على الآلام وتجاوز الماضي، من مبدأ أن الدماغ هو المسؤول عن ذلك بحسب دراسات القرن الواحد والعشرين. فهو الذي يملك طريقة جعل البشر سعداء. وزعم علماء من جامعة كورنيل قدرتهم على فك الشيفرة التي من خلالها يتعامل الدماغ مع مختلف الآلام واللذات المختلفة. وفيها مجموعة من الخلايا العصبية التي تميل إلى أحد الاتجاهين، إما اتجاه نحو الإيجابية، إو إلى السلبية، عند ميلها نحو الاتجاه الآخر.

مستويات السعادة في العالم

كان مقياس التحديد الذاتي للإزدهار Self-anchoring Striving Scale أول محاولة لمقارنة مستويات السعادة على مستوى الأمم، عام 1965، على يد هادلي كانتريل Hadlry Cantril. وهو مستطلع الأراء السابق للرئيس روزفلت. وكان سؤال الأفراد هو: ما هو شعورهم تجاه حياتهم بالنسبة إلى تطلعاتهم؟ إضافة إلى سؤالهم عن التعبير عن آرائهم بما يحدث في العالم في صورة أرقام، والبحث في مشاعرهم الداخلية. وعملت هذه الدراسة في إجراء تغيير بارز على دراسات السعادة المعاصرة. وفي العصر الحالي، قامت جامعة بيتسبرغ ببناء خوارزميات لتفسير ملايين التغريدات في تويتر، لحصر قدر السعادة المعبر عنها في تغريدة معينة. وتم تحليل 50 مليون تغريدة يوميا، ومنها أصبح هناك خرائط للسعادة. فمثلا تبيّن أن السبت هو الأسعد، والثلاثاء هو الأشقى – والخميس الونيس في الدول العربية-.

قياس الإحساس

هناك العديد من النظريات عبر الزمن التي حاولت قياس الإحساس. ومن أبرزها ما وضعها كل من الإنجليزي جيرمي بنتام، والألماني جوستاف فخنر. حيث ركّز بنتام على النبض والنقود لقياس السعادة، أما فخنر، فرأى أنه يمكن قياس الإحساس بناء على العلاقات الرياضية. وذلك من منطلق إيمان كليهما أن السعادة نتيجة مصادر اللذة وتجنّب الألم.

أ. النبض والنقود

قدم جيرمي بنتام نموذجا سيكولوجيا يشرح فيه طرق تفاوت اللذة حسب الدرجة. وطرح سبعة منها في بيانه المشهور باسم مقدمة مبادئ الأخلاق والتشريع Introduction to the Principles of Morals and Legislation. ورأى أن هناك مؤشران لقياس السعادة: معدل نبضات القلب، والنقود. ونجد انعكاس ذلك في تطبيق iPhone 6 الذي تم إصداره عام 2014، الخاص بمراقبة النشاط الجسدي، وتطبيق آخر للتسديد داخل المتاجر.

ب. الفيزياء النفسية

قام جوستاف فخنر في 1850 باستخدام الفيزياء النفسية التي ترى في أن الطاقة الحركية هي التي تحكم حرية الإدارة والعقل والفكر. ورأى أن وحدة القياس للإحساس تتم من خلال إيجاد أقل فرق ملحوظ. مثلا لو حمل شخص ثقل ما بوزن 10 كغم، وزاد أحدهم عليه بثقل آخر له نصف الوزن، هل حينها سيكون الإحساس بالثقل قد زاد إلى النصف أيضا؟

ج. أبحاث الدماغ

تم التركيز على أبحاث الدماغ منذ تسعينات القرن الماضي، حيث أطلق جورج بوش الأب عقد الدماغ. وأعلن أوباما برنامجا للاستثمار في علم الأعصاب باسم Brain. وكان هناك مشاريع للمفوضية الأوروبية باسم FP7 في علم الأعصاب بين 2007- 2013. والسبب هو اهتمام الجيش بإيجاد جنودا أقل ميلا للمقاومة وأكثر انخراطا في البلدان التي تجتاحها. أما شركات الأدوية، فرأت أنها تملك فرصة في زيادة الربح من خلال أدوية الدماغ. أما المسوقون، فقد وجدوا الأمل في معرفة ما يجعل الإنسان يقوم بالشراء والسيطرة عليه. وكان أن تمكّن العلماء لأول مرة من إجراء تخاطر بين عقلين، وذلك من خلال استخدام الماسحات الضوئية العصبية عام 2014. 

د. الابتسامة

في عام 2013، قام مهرجان شلتنهام في بريطانيا بإجراء تقييم من خلال تقنية، طوّرتها شركة كواليا Qualia. وفيها تم زرع كاميرات لتعقيب ابتسامات الزائرين، وأنشأت حواسيب بتفسيرها وتحويلها إلى شكل من أشكال القيمة. وهي مشابهة لتجربة أخرى في أستراليا، التي حاولت قياس السعادة من خلال الابتسامة. ولكن هناك قصور في طريقة القياس هذه، كون الحاسوب لا يفرق بين الابتسامة الحقيقية وتلك المجاملة. ولكن ممكن أن تكون مؤشرا ومؤثرا، مثل مقياسي بنتام وفخنر.

هـ. تقنيات ذكية

انتشرت تقنيات ذكية طورتها كبرى شركات التقنية، مثل أبل وجوجل. كالساعات الذكية التي تقيس الاجهاد والاكتئاب لدى صاحبها. وهناك تطبيقات الصحة مثل Health 2.0 التي يتم من خلالها مراقبة الحالة الصحية للفرد يوميا. وهناك ما تعمل على قياس الحالة المزاجية للفرد مثل Moodscope، وMappiness التي تحث الناس على التعبير عن تفاصيل حالتهم المزاجية خلال أوقات معينة باستخدام الأرقام.

كيف تحقق السعادة؟

بحسب بنتام، ينصح الدولة بإنشاء شركة قومية للاعمال الخيرية، مثل شركة الهند الشرقية، لتقليل الفقر وتوظيف مئات الآلاف. وبناء شركات تدير السجون. أما فخنر، فحدد الإدارة للأفراد، فركّز على المشاعر لا على المسبب، فإما أن تقلل الثقل أو تولي اهتمام أقل بالألم. وهذا يعني زيادة التكيّف وهو الذي انتشر في القرن الواحد والعشرين. وبحسب علم النفس، فإما أن يتم تقدير الشخص والتواصل معه والإنصات إليه ودعمه، أو العمل على تغيير نمط حياته باستخدام علم النفس الإيجابي، والذي سيتم شرحه لاحقا.

أ. العلاقات الاجتماعية

تبيّن أن نقص العلاقات الاجتماعية والعزلة تسبب التعاسة، ولها مخاطر على الصحة الفسيولوجية. وأن الدماغ يتطور ليعتمد على العلاقات الاجتماعية. لذلك بدأ الأطباء يوصون مرضاهم بالعمل التطوعي، وخاصة بعد أن تبيّن أن المتطوع ينال منفعة أكبر من المتعاطي، أو الإلتحاق بفرقة كنوع من العلاج – وكانت المجلة قد ذكرت الفوائد الصحية للتطوع، تجدها هنا.-

1. مواقع التواصل الاجتماعي

تمكّن الطبيب جاكوب مورينو، من إظهار العلاقات الاجتماعية على أساس من يلائم من – وهذا ما تقوم به الفيسبوك حاليا من خلال اقتراح أصدقاء بحسب الهوايات والتوجهات والبيانات المتشابهة، كما أعلن عن نظام التواعد بناء على نفس التقنية-. وأنتج مورينو خرائط سومسترية للمرة الأولى من خلال دراسته لسكن بنات في مدرسة نيويورك بهدسون. سماها بـ رياضيات الصداقة. وفيها يمكن استكشاف المشاعر السلبية والإيجابية من خلال وسائل التحليل السومسترية. وفي السبعينات اصبح هناك برمجيات لتحليل العلاقات الاجتماعية، وفي 2003، أصبحت الدراسات السومسترية تعكسها مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك. ولكن تبيّن مؤخرا ان الفيسبوك وغيرها من المواقع الاجتماعي تسبب الاكتئاب لأنها تعزز شعور المستخدم بالدونية مقارنة مع غيره، وعندما لا ينال التفاعل الكبير على منشوراته.

2. العلاقات المتكافئة

وهي العلاقات التي تكون فيها الفائدة مساوية للقيمة. ويكون ذلك باختيار نوعي للأصدقاء، وتجنّب المتشائمين. – وكانت المجلة قد نشرت أكثر من فيديو يتحدث عن عشرة دروس من مئات كتب تطوير الذات، تجده على قناتها من هنا.-

ب. مزرعة الشفاء

للطبيعة دور في تحقيق السعادة. وفي أوائل القرن الحالي، تم تأسيس مزرعة الشفاء في بريطانيا. على مبدأ أن الفلاحة ستعالج الأمراض العقلية. وفيها يتم زراعة مختلف المنتجات وبيعها. ونجح المشروع بشعور الناس بشكل أفضل.

ج. امتلاك السلطة

أشار الكتاب في نهايته، إلى أن تحقيق السعادة يأتي عندما يملك المرء نوعا من السلطة في التحكّم بالبيئة من حوله – وهذا ما أثبتته إحدى التجارب على الفئران التي تم تدريبها على قيادة سيارة، حيث تبيّن إنخفاض في مستوى هرمون الإجهاد لديها، ربما لأنها تمكّنت من التحكّم أكثر في بيئتها. وبالتالي فإن ممارسة الرياضة في الهواء الطلق، تعد إحدى طرق السعادة الممكنة لدى البشر-. فتعاسة البشر قد تعود إلى عدم قدرتها في السيطرة على أحداث حياتها. وفي مجال الأعمال، تبيّن أن لطبيعة العمل دور في التاثير على الرفاهية العقلية. حيث تم اكتشاف أنه عندما لا يملك المرء سلطة اتخاذ القرار، يتم إفراز هرمون الكورتيزول في الدم مما يسبب له أمراض القلب. لذلك سعادة الموظف في الشركات التي يملكها الموظفون، والتي يكون فيها القرار أكثر تشاركية وتوزيعا للسلطة، أكبر من سعادة من يعمل لدى الشركات التي يملكها المساهمون.

دخول الاقتصاد السياسي علم النفس

في سبعينيات القرن الثامن عشر، كان شغل العاملون في الاقتصاد السياسي، بالقضايا المادية والسياسية، مثل زيادة القدرة الانتاجية وتقسيم العمل، ونادوا بحرية الأسواق لزيادة الإنتاج، ورأووا أن الغاية هي الثروة، ولذلك كانت الدراسات تتم فقط حول الأمور المادية، مثل قوة العمل والارض، ولم يكن هناك اهتمام بالمشاكل السيكولوجية مثل المشاعر والسعادة. لكن جاء ويليام جيفونز، الذي رأى أن فرضيات الاقتصاد السياسي ستتغير؛ بحيث لن يتم تجاهل علم النفس بعد الآن، لوجود صلة وثيقة بين معاناة العمالة ومستويات الإنتاج. حيث تبيّن أنه كلما طالت فترة العمل، زادت صعوبة الأداء. وعليه، تم إجراء تجارب على الإعياء والحلول المريحة. وبذلك، ولأول مرة أصبحت الرأسمالية مهتمة في طريقة تفكير وشعور البشر، لإنقاذ علم الاقتصاد وسلطة النقود. 

أ. تطوير النظرية الاقتصادية

اهتم جيفونز بالنظرية الاقتصادية، وأصدر كتاب بعنوان علم الاقتصاد السياسي، وبرأيه، إن أمكن فهم الاقتصاد كمشكلة رياضية، حينها يمكن التواصل إلى توازن وتأسيس علم اقتصاد على دعائم علمية خالصة. ورأى أن النقود قد تكون مخزنا للقيمة، مثل وضعها في حساب مصرفي، أو وسيلة للمقايضة. وأن معدلات الفائدة هي الوسيلة للتوازن بين هذين الأمرين في المجتمعات الرأسمالية؛ فعند زيادة معدلات الفائدة، تزيد الرغبة في جعل النقود مخزنا للقيمة، وعندما تقل معدلات الفائدة، تزداد الرغبة في المقايضة للشراء. ويرى أنه يمكن أن يقوم الاقتصاد على اللذة والألم، حال تم إخضاعهما لقوانين رياضية معينة. بنى جيفونز مشروعا بالنسبة للقيمة بناء على سيكولوجية اللذة والألم، لتصبح عملية إشباع الحاجة تتم من خلال الحصول على أعلى قدر مما نشتهي، بأقل تكلفة مما لا نشتهي. أي تعظيم اللذة

ب. نظام الإثابة

يفترض هذا النظام أن الحيوانات محكومة باللذات والالام؛ فهي تكرر الفعل الذي تثاب عليه، وتتجنب المسبب لها بالألم. وفي أوائل الثمانيات اكتشف العلماء أنه يتم إفراز الدوبامين كمكافأة للقرار الصائب. فتساءل الاقتصاديون فيما إن كانت كمية الدوبامين يحددها مستوى اللذة. مثلا، عندما تم القرار بشراء البيتزا بعشرة دولارات، هل تم القرار بذلك لأنه سيتم إفراز دوبامين بكمية مساوية على سبيل المكافأة؟

ج. نظرية الأفضليات

رفض العلماء بعد جيفونز أفكاره حول الألم واللذة، كون السوق يعمل دون الحاجة إلى دراسة العقل والسيكولوجية، فوضعوا نظرية الأفضليات. وفيها يقوم العقل باختيار ما يفضله المرء، من السمك عن الدجاج أو الموز عن التفاح، وعلى أساس ذلك تتم عملية الشراء.

د. النيوليبرالية

وهي تُعنى بتنظيم الربح والمنافسة واللذة. وفيها تصبح الأخلاق هي اكتساب المزيد من الأرباح. وترفض المجتمعات النيوليبرالية السلطة الأخلاقية. وهذا الملاحظ في شعار ماكدونالدز مثل Enjoy More استمتع أكثر، وشركة نايكي Just Do It أي افعلها فقط، وتصبح المتعة فريضة تفوق الامتثال للقواعد. كما تسللت مصالح الشركات في جمعية الطب النفسي، وأصبح هناك تشابك بين التعظيم النفسي، وتعظيم الربح.

هـ. علم السيكولوجيا

تم إنشاء أول مختبر للسيكولوجيا في العالم، عام 1879، من قبل الفسيلوجي والفيلسوفي فيلهم فونت. حيث كان يجري تجارب على العضلات، وكان مقتنعا أنه يمكن للسيرورات العقلية أن تحدث عفويا، وأن تسير بسرعة يمكن قياسها. وتختلف فكرة هذا المختبر عن مبدأ بنتام وفخنر، بفصله للسيكولوجيا عن الفسيولوجيا والفلسفة. ومن اعماله، معرفة شكل بعض السيكولوجيات مثل المزاج والانفعال والذكاء والتوجه. ووضع بعض النظريات السيكولوجية المهمة، وتحديد طرق قابلة للقياس خاصة بالهدوء والتوتر واللذة والسأم والإثارة والإتزان. وبيّن أن الاستجابة الانفعالية هي التي تحدد خيارات البشر. وأن البشر أكثر تعقيدا من آلات حسابية. وهو أول من بنى واستخدم أداة لقياس الفكر. وركّز على الانتباه والنظر وردة الفعل لعينة الدراسة.

و. علم نفس المستهلك

في عام 1900، قام كل من جيمس ماكين، وهارلو جيل بتجارب خاصة بمساعدة المناظير التومضية لمعرفة استجابة الأفراد لإعلانات معينة باستخدام أدوات طوّرها فونت. أرادوا فهم انفعالات وردود الأفعال لدى عينة الدراسة. ثم صدر كتابين حول نظرية الإعلان: الأول بعنوان نظرية الإعلان Theory of Advertising والثاني سيكولوجيا الإعلان The Psychology of Advertising، ثم تم إنشاء المؤسسة السيكولوجية التي تعمل على تكييف البحث العلمي لخدمة الزبون.

ز. علم السلوكية

في عام 1913 ألقى متخصص في علم الحيوان جون واطسون محاضرة في جامعة كولومبيا حول التقاليد العلمية الأكثر تأثيرا في القرن العشرين وهي السلوكية، من خلال تجاربه على الفئران. وهذه السلوكية أصبحت متوفرة للمربي والفيزيائي وكل خبراء مجالات الحياة من أجل استخدام بياناتها لخدمتهم. وأصبح بذلك رئيس اتحاد علماء النفس الأمريكيين. ثم انتشر مصطح السلوكية أوائل القرن الواحد العشرين، لتغيير السلوك لمكافحة السمنة والتدهور البيئي والتغذية السليمة والبدء بممارسة الرياضة – هنا نستذكر كتاب توني روبنز حول البرمجة اللغوية العصبية، والتي فيها يتمكن المرء من التخلّص من العادات السلبية مثل التدخين-. وفي السلوكية، يتم حثنا لتعلم حيل لتعديل سلوكنا لمساعدة انفسنا لتبني أنماط أكثر صحة لنا.

1. نظرية واطسون في السلوكية

يرى واطـسون أنه عندما يقوم الملاحظ السيكولوجي باستخدام قوة التجريب، فإنه سيتمكن من كشف كل ما يمكن معرفته عن البشر. ولن يهم بالتالي للعينة إبداء أي معلومات منطوقة. وفي عام 2010، فتحت الحكومة البريطانية وحدة استبصارات سلوكية لتخدم بيانات السلوك في صناعة السياسة، وحققت نجاحا كبيرا.

2. جامعة جيمس والتر طومبسون للإعلان

ظهرت شركة جيمس والتر طومبسون عام 1920، وتعهد مالكها بتحويل شركته إلى جامعة تختص بالإعلان، وأنها ستكون بذلك عملا تربويا وتعليميا جماهيريا. وفيها، ستصبح حملات الإعلان تحمل رسائل إلى المستقبلين السلبيين الذين سيستجيبون لها بالتبعية من خلال عاداتهم في التسوق. وكانت الجامعة بحاجة إلى علماء للمساعدة في تحقيق هدفها هذا. فجاء ((واطسون)) الذي أصبح مسؤول الحساب التنفيذي فيها.

i. تكييف المستهلك من خلال استحداث رغبات وانفعالات

رأى واطسون إمكانية تكييف المستهلك للقيام بأي شيء في حال تم تصميم عوامل بيئية بطريقة صحيحة. – وكان أن ذكرت المجلة في فيديو أسرار البيع الناجح حول كيفية اثارة عواطف الفخر والكبرياء لدى المستهلك ليشتري المنتج، تجده هنا– لذلك كان يسأل فريق التسويق بإيجاد انفعالات ورغبات جديدة للمستهلك، بدلا من السعي نحو رغباته وانفعالاته.

ii. من إنجازات واطسون التسويقية

مع تعاقده مع شركة جونسون آند جونسون، تمكن واطسون من اكتشاف طرق لتسويق مسحوق التنظيف للأمهات، بالاعتماد على الانفعالات التي تمر بها الأم من القلق والخوف والرغبة في النظافة، وهو ينسب إليه الفضل في تأثير المشاهير على تعلق المستهلك ببعض العلامات التجارية. – إن الخوف من الجراثيم والرغبة في تحصين الطفل، نجدها أيضا في إعلانات منتجات ديتول الجديدة من الصابون وسائل غسل الأيدي والاستحمام.- وترقى واطسون واصبحت لديه ثروة لا تضاهي أي ثروة لأي سيكولوجي آخر، ونما إيمانه بقدرته على جعل أي مستهلك، يشتري أي منتج من خلال إثارة وتوليد المشاعر والاحساسيس لديه. حتى قال قولته الشهيرة: “الحب والخوف والغضب لا يختلف في إيطاليا عنه في الحبشة أو كندا”.

3. كلية شيكاغو في علم الاقتصاد

وتضم مجموعة من الباحثين تحت قيادة عالمي الاقتصاد: يعقوب فنر وفرانك نايت. وتؤمن هذه الكلية أن الاقتصاد هو علم موضوعي يختص بالسلوك الإنساني، والذي يمكن فصله تماما عن جميع الاعتبارات السياسية والأخلاقية. وتبنت نموذج نظرية السعر Price Theory الذي يرجع أثرها إلى بنتام، وفيه أن البشر لا تكف عن عمل مقارنات بين التكلفة والفائدة. وبالتالي فإن حركة الأسواق تعتمد على العقلانية السيكولوجية للمستهلك، ممن يريدون أعلى قيمة بأقل تكلفة. وطبقت هذا النموذج على كافة المجالات، وليس السوق فقط. ومن أمثلة هذه النظرية، هو أن إدمان الأفراد على المخدرات يكون إما للنشوة العالية أو لسعرها المتدني، وأن ارتفاع جرائم السطو على المتاجر، قد يعود إلى أن احتمالات التعرض للقبض هزيلة، وهكذا.

انفصال الاقتصاد عن السيكولوجيا

في ثلاثينات القرن الماضي، انفصل علم الاقتصاد عن السيكولوجيا، وتمت مراقبة النقود وافتراض ما يجري في عقول المستهلكين. وتم بناء الاقتصاد على تجاوز القيمة، وذلك بعد حادثة تسرب النفط في عام 1989 في شاطئ الاسكا، وسؤال الناس عن التعويض بـ مسح الاستعداد للدفع Willingness to pay survey. وتساعد هذه التقنية صاحب القرار السياسي في تحديد قيمة ما. مثل تكلفة الأماكن الثقافية، سلامة النقل، الحدائق العامة، والرعاية الصحية، وغيرها من مختلف المجالات.

أ. التوجه نحو التحدث إلى الناس ومعرفة ما يريدونه

في عشرينيات القرن الماضي، زادت لدى الشركات الأمريكية الرغبة في معرفة ما يفكر ويشعر به الناس، وليس فقط التأثير عليهم وإيجاد حاجات جديدة لديهم. مثل مؤسسة روكفيلار Rockefeller وكارنيغي Carnegie. ومع تطور التقنيات، تم تأسيس كلية لندن للاقتصاد London School Of Economics. ومعهد بروكينغز The Brookings Institute في واشنطن العاصمة.

1. تأسيس شركة جورج غالوب لاستطلاع الرأي

أصبح هناك اتجاه لمعرفة رأي الجماهير في ثلاثيات القرن الماضي، ففي الفترة 1929 و 1931 أمر الرئيس الأمركي السابق روبرت هوفر بإجراء دراسات مسحية للنزعات الاجتماعية لمعرفة احتمالية حدوث الاضطراب السياسي. وتأسست شركة جورج غالوب لاستطلاع الرأي في 1935، والتي تمكنت من التنبؤ بنتائج الانتخابات عام 36 بدقة غريبة.

2. وكالة جيمس طومبسون للإعلان

تعاقدت هذه الوكالة مع جينرال موتورز لعمل مسح لرغبات المستهلكين من السيارات والطعام. وخلال 18 شهرا أجرت 44 ألف لقاء. وتمادت الشركة بعمل المسح إلى درجة التجسس على الناس داخل منازلهم لمراقبتهم، ومعرفة كل شيء عن حياتهم – ونجد انتشار التجسس في الوقت الحالي مع مختلف التطبيقات العالمية، مثل الفيسبوك والإنستغرام-.

3. تحليل البيانات

أعلنت مجلة هارفارد بيزنس رفيو في 2012 على أن وظيفة عالم بيانات Data Scientist ستكون وظيفة القرن الواحد والعشرين. لأننا أصبحنا بعصر جمع وتحليل البيانات لإدارة المجتمعات من خلال ملاحظة البشر. إضافة إلى صعود البيانات الكبرى Big Data حول كل ما يقوم به البشر للتكهن بتصرفاتهم. وتقوم شركات بحجب هذه البيانات لغايات خاصة بها، أو لبيعها لشركات الإعلان. وتمكنت الفيسبوك وتويتر من تطوير تقنيات لدفع الناس إلى التعبير ومشاركة ما يهمها، وذلك من خلال حسابات مجانية ينشئها أي شخص على تلك المواقع، مع إمكانية متابعة وإضافة أصدقاءه وغيرهم. – من هنا يبدو جليا سبب مجانية مواقع التواصل الاجتماعي!-.

i. الذات المكممة

وهي طريقة تقوم بها الشركات مثل نايكي لبيع منتجاتها من خلال سؤال المستهلك بتقديم بيانات الصحة الخاصة به. – وهذا يشبه سؤال مختلف الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات المستخدم موافقته في قيام الجهاز بمراقبة طريقة استخدامه لأجل تطوير مزاياه في المستقبل-.

ii. التعرّف على الوجه

وهي ما قامت به مثلا شركة تيسكو في الإعلان عن منتجاتها، بالاعتماد على تقنيات التعرف على الوجه، وذلك بحسب ما يعكسه من تعبيرات. كما قامت شركة أخرى بالتعرّف على وجوه معينة في الشارع العام لاستهدافهم بإعلانات معينة.

iii. اللاأدرية الراديكالية

وهي تعني عدم افتراض وجود سبب لقرارات البشر، وإنما تحليل البيانات بعد جمعها حول حركتهم وصحتهم وأمزجتهم وسعادتهم. ويصبح هناك علم يختص بدراسة الاختيار. وفيه يدرس العلماء البيانات لاكتشاف القوانين التي تحكم السلوك، وبالتالي فجر جديد يتحدّ فيه علم الأعصاب مع البيانات العملاقة. وهذا ما تعكسه بعض التقنيات، مثلا يقوم قسم الموارد البشرية في بعض الشركات بتطوير تقنيات لمراقبة الموظفين، مثل تحليل الموهبة Talent Analytics، وفيها يتم تقييم الموظفين حسابيا من خلال حركة البريد الإلكتروني في العمل. وقامت شركة Sociometric Solutions بإنتاج معدات يرتديها الموظفين لتتمكن الإدارة من تعقب حركاتهم ونبرات أصواتهم وأحاديثهم. ومن المتوقع في مستقبل المدن الذكية، أن ترسل الشركات منتجاتها إلى السكان دون طلبها، بناء على توقع حاجتهم لها.

ب. التجسس

لا يقوم البشر بإعطاء بيانات عن طيب خاطر، إلا في حال كانت هناك مكافأة أو عروض ما. لذلك تلجأ الشركات إلى التجسس عليهم عبر مختلف التطبيقات لمعرفة كافة البيانات الشخصية وميولهم الاستهلاكية، لاستهدافهم بعدها بالإعلانات – وكانت الفيسبوك تتجسس عبر تطبيقها على الهواتف الذكية، حيث تبيّن أنه عندما يتكلم أحدهم أو يناقش على الإنترنت موضوعا ما، يأتيه إعلان حول نفس الموضوع على صفحة حسابه الخاص. وذكرت المجلة مقالة حول تجسس أصحاب المتاجر سرا من خلال تقنية البلوتوث في الهواتف الذكية، للإطلاع على المقال، من هنا. كما اصبحت الدول تنشر الكاميرات في كل مكان، وخاصة في المدن الذكية، والتي حتى تجعلها تتنبأ بأوقات ارتكاب الأفراد لمخالفة ما. للتفاصيل، من هنا-.

انحسار الميل إلى التحدث مع الناس

ترى شركات الإعلان تحديات في التحدث إلى الناس خوفا من رغبات يصعب تلبيتها او تكلفها. وفي القرن الحادي والعشرين أصبح علماء النفس والأعصاب ينالون مكانة الاستشاريين الذين يعدون بكشف طريقة البشر في اتخاذ القرار، وكيف يقع عليهم التأثير، وماهية ما سيفي بإحداث انفعالات الحالات المزاجية لديهم، وبذلك أصبح هناك انحسار في الميل إلى التحدث مع الناس لمعرفة رغباتهم وميولهم.

توحيد جزئي بين الاقتصاد والسيكولوجيا

في تسعينات القرن الماضي، أصبح هناك توحيد جزئي بين الاقتصاد والسيكولوجيا. حيث استخدم الاقتصاديون دراسات مسحية لمعرفة الرفاهية، واستخدام تقنية لقياس المنفعة، مثل إعادة إعمار اليوم، وفيها يسجل المشاركون مشاعرهم المختلفة خلال اليوم. إضافة إلى تطبيقات الهواتف الذكية التي تحث المستخدم على تحديث حالتهم النفسية، مثل عداد المتعة Hedonimeter. وتمكن الاقتصاديون من إيجاد صلة بين اللذة النفسية والنقود، من خلال مقارنة مستوى الرفاهية بين أصحاب المداخيل المختلفة، وبين السلع غير السوقية، مثل الهواء النظيف والسلامة والصحة وغيرها. واستعانت الحكومة البريطانية بتقنية مشابهة لإرساء القيمة النقدية للمكتبات العامة والمعارض الفنية، من خلال الكشف عن مقدار السعادة الذي تسببه هذه الأماكن، ومن ثم الإيراد المطلوب لإنتاج القدر المطلوب من الفائدة السيكولوجية. وبذلك أصبح ممكنا تسعير الثقافة العامة، وتعويضات الضحايا النفسية كفقدان طفل.

أ. الانفعالات وراء الاستهلاك

في أواخر التسعينات القرن الماضي، صار هناك تركيز لباحثي السوق على أعين البشر ووجوههم للبحث عن إشارات تكشف عما يمكن شراءه. والسبب هو الاعتقاد أن الانفعالات هي وراء الاستهلاك. وفي عام 1994 صدر كتاب لعالم الأعصاب أنطونيو داماسيو باسم خطأ ديكارت Descartes Error، أثر في صناعة الإعلان وأبحاث السوق. وفيه يرى أن الانفعالات شرط التصرف بطريقة عقلانية. فالعقلانية والانفعال ليسا وظيفتين متعارضتين في الدماغ، وإنما النقيض. فمن يعاني تلف في الدماغ، يعجز عن اتخاذ القرارات المدروسة والعقلانية. – ولذلك نجد أن في سرد القصص مثلا وسيلة للتأثير على الناس وتحفيز انفعالاتهم، مثل إعلانات شركات سامسونغ والمراعي . وكانت المجلة قد نشرت فيديو حول طرق البيع الناجح، وذكرت منها القصة كإحدى الطرق، يمكنك مشاهدته من هنا-.

ب. استهداف المعلنين للحواس

مع تطور علم الأعصاب، لن يحتاج المعلنين للقيام بدراسة أبحاث لتصميم الإعلانات ونشرها. فكل ما يحتاجونه هو معرفة الصوت أو الصورة أو الرائحة التي ستعمل على استمالة المستهلك لعلامة تجارية معينة، وتعلّقه عاطفيا بها. مثلا، في دراسة ما، كشفت أن الخوف ما يدفع الناس إلى شراء منتجات العلامات التجارية الكبرى، وأن إنقاص عدد الكلمات في وصف سعر القطعة، من شانها أن تقلل من ألم دفع ثمنها. وهكذا.- ولكن في حال تمكّن الإنسان من التحكّم بنفسه، وإدراك حيل المعلنين، فإنه حتما سيتمكّن من الاحتفاظ بنقود جيبه-.

ج. نظام تسعير الوفاء بالعطاء

اتبعت مجموعة من الشركات الصغيرة نظام تسعير الوفاء بالعطاء Pay it Forward. أي عندما يقوم أحدهم بإسداء معروف لشخص ما، سيحفز هذا الشخص على القيام بمعروف لآخر، وهكذا. وهو يتحدى معتقدات الحساب الرئيسة. وتم اكتشاف ميل الناس إلى دفع سعر أكبر لسلعة ما في إطار هذا النموذج. وهذا نقيض ما افترضه الاقتصاديون حول الحصول على أكبر لذة بأقل كلفة. وكان أن بيّنت كلية هارفارد لإدارة الأعمال بانه عندما يتم تصوير زيادة الأجور على أنها عطاء أو منحة، فإن الموظف سيبذل جهدا إضافيا. وهكذا تم التوحيد بين علم النفس والإقتصاد؛ حيث يمكن للمبادئ الأخلاقية أن تحرك المصالح الأنانية. ويمكن تطبيق هذا النظام في مختلف الشركات؛ وذلك بتوفيرها لخدمات ومنتجات مجانية، ثم استغلال ذلك، بترويجها لمبيعات وإعلانات مقابل تكلفة – وممكن أن نجد ذلك في التجارب المجانية لمختلف التطبيقات التي تمنح المستخدم فرصة التمتع بالخدمة مجانا لشهر أو أكثر-. وهذا ما يسمى القوة النافذة للعلاقات غير النقدية Non-monetary لبناء علاقات أوثق مع المستهلك لتحقيق المزيد من الأرباح.

1. استخدام لغة الامتنان

تشمل العلاقات مع المستهلك لغة الامتنان، مثل إطلاق محلات تيسكو سلسلة من فيديوهات على اليوتيوب في 2011 تشكر الجمهور. وقامت مجموعة من مطاعم دنيز على نشر الميمز (صور ونصوص مضحكة) على تويتر لجذب العملاء.

2. الصداقة مع المستهلك

تتجه كبرى الشركات إلى بناء علاقات صداقة مع المستهلك، وأن تتغلل إليهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وفي تجربة Friendvertising، تقوم الشركات بعمل ملفات فيديو وصور تتوقع مشاركتها من قبل رواد التواصل الاجتماعي. وذلك من مبدأ أنه يمكن لشخص أن يبدل اتجاهات وأذواق الآخرين عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال مشاركة تلك الملفات معهم.

مناهضة الإعلان والثقافة الإستهلاكية

في عام 1924 كانت هناك محاولة لمساعدة الناس على التصدي للثقافة الاستهلاكية، من قبل روبرت وهيلن لند، ونشرا كتب عدة نالت اكبر المبيعات، وكان هدفهما النهوض بوعي طبقي حول الثقافة الاستهلاكية. وتم إطلاق مشروع آخر عام 1937 باسم مراقبة الجماهير The Mass Observation Project، لمعرفة رغبات الناس وتصميم منتجات لإشباعها، بدلا من إيجاد رغبات وانفعالات جديدة لديهم. – وربما من التطبيقات الحديثة لهذه التقنية، هي سؤال المعلن في الفيسبوك عن الفئة التي يستهدفها في إعلانه، مثلا، هل يريد تفاعل مع المنشور، أم زيادة الزائرين لموقعه، أم زيادة الإعجاب بالصفحة أو الحساب-. وفي العصر الحالي، انتشرت حملات لمناهضة الإعلان، مثل مدينة ساوباولو البرازيلية، التي أصبحت خالية من الإعلان بحسب قانون العمدة في 2006. وتمت إزالة إعلانات الإقامة الفاخرة في بكين، لاكتشاف العمدة استخدام المعلنين كلمات مبالغة للترف والفخامة بعيدا عن قدرات ذوي الدخل المنخفض. – ونذكر هنا فن تسويق الطعام الذي يتم استخدام فيه مواد صناعية لتشكيل أطعمة لأجل تصويرها في الإعلانات، مثل البرغر والكورن فلكس-. وقامت منظمة أمريكية Commercial Alert بعمل سباق Ad Slam تمنح بموجبه جائزة مالية بمبلغ 5000 دولارا أمريكيا للمدرسة التي تزيل أكبر قدر من الإعلانات من فضاءها العام.

الموظف يهدد الرأسمالية

هناك من تكهن بأن ما يهدد الرأسمالية هو الموظف، وذلك عندما يصبح كسولا وغير ملتزما في عمله، فتصبح هناك مشاكل في العمل تؤثر على الإنتاجية وتقل نسبة الأرباح. هذه الفكرة سيطرت على المدراء وصناع القرار السياسي، وصار هناك دراسات حول الولاء الوظيفي. وقامت غالوب بإجراء دراسات واسعة النطاق في هذا المجال، وتبين أن 13 بالمئة فقط من قوة العمل العالمية هي الموالية كما ينبغي، وأن غياب الولاء الفعّال، يكلّف أمريكا 550 مليار دولار سنويا، وسبب غياب الولاء يكشفه التغيب بداعي المرض وأحيانا الحضور دون القيام بأي مهام. وبيّنت دراسة كندية، أن غياب أكثر من ربع قوة العمل تكون بسبب الإنهاك لا المرض. – وهذا سبب قيام الكثير من الشركات في اليابان بالسماح لموظفيها في نيل قيلولة بعد الظهر، والتي كان لها الأثر الكبير في زيادة الإنتاجية-. 

أ. تداعيات عدم ولاء الموظف

عدم ولاء الموظف لن يؤثر فقط على نسبة الأرباح لدى الشركات، وإنما سيطال الحكومات. لأنه يسبب في قلة الناتج الاقتصادي، والذي بدوره سيؤثر سلبا على العائدات الضريبية، وستصبح هناك كارثة لدى المجتمعات التي يوجد بها تأمين صحي واجتماعي وتأمين ضد البطالة، مما يصبح هناك مشكلة اقتصادية متنامية من تسيب الموظفين عن العمل.

1. أمراض الوحدة

أصبح الكثير من الموظفين يعانون من مشاكل والام غير قابلة للتشخيص، إضافة إلى تنامي شعورهم بالوحدة. وحتى فيما لو تم منحهم المزيد من الإجازات، فإن ذلك لن يسبب لهم سوى شعور اكبر بالعزلة. – وكانت المجلة قد ذكرت في قناتها على اليوتيوب سبب عدم مرض الأطباء، ومنه تواصلهم مع الزملاء والأصدقاء والعائلة. لمشاهدة الفيديو، من هنا. كما ذكر ستيفن كوفي في كتابه: العادات السبع لأكثر الناس كفاءة، أهمية وضع أولويات للحياة العملية والشخصية لئلا يطغى جانب على آخر، والتسبب بالتالي مشاكل اجتماعية ونفسية، وكانت المجلة قد نشرت قراءة هذا الكتاب تجده هنا-.

2. الأمراض العقلية

من المتوقع أنه في 2020 ستصبح الأمراض العقلية السبب الرئيس في الإعاقة والموت. هذا بحسب منظمة الصحة العالمية. كما ستزداد التكلفة الاقتصادية لعلاج هذه الأمراض. وستفوق تكلفة الجريمة التي تصل إلى 110 مليار جنيه إسترليني سنويا. وستصبح من أكبر المشاكل التي تهدد الرأسمالية، ولذلك توجه انشغال المنتدى الاقتصادي إلى صحة وسعادة البشر. – وربما لهذا السبب نجد الانتشار العالمي لمدربي الحياة-.

3. الإجهاد النفسي

أصبح الإجهاد النفسي Stress حقلا جديدا للدراسة في خمسينات القرن الماضي. وفيه يرى أن الإجهاد يحصل عندما يخسر المرء أو حتى المجتمع القدرة على التكيّف مع المنبهات الخارجية. وتبيّن أن الوظائف التي تصمم بشكل سيء، ونقص المعرفة بمكان العمل، وراء اعتلال الصحة العقلية والجسدية للموظف. وتبيّن أن الإجهاد النفسي يسبب إفراز هرمون الكورتيزول الذي يؤدي إلى تصلب الشرايين وزيادة الخطر بالإصابة بالنوبات القلبية.

زيادة إنتاج الموظف

أصبح هناك مدراء وأقسام موارد بشرية تسلح أنفسها بطرق جديدة لقراءة العقل ومعرفة سلوك العمالة لتحقيق الرفاهية. وخاصة بعد أن أثبتت الدراسات أن إنتاجية الموظف تزداد بنسبة 12% عند شعوره بالسعادة، ويبذل جهدا أكبر عند وجود الاحترام والإنصات والرغبة في مشاركة الرأي في أماكن العمل. وبذلك تصبح السعادة مصدر النقود ليس العكس. – ونشرت المجلة مقالا حول كيف أن تجعل الموظف أكثر ولاء للوظيفة من خلال هذه الطريقة وطرق أخرى تشمل التحدث إليه، تجده هنا-.

أ. العلاج السلوكي المعرفي

تم استخدام هذه التقنية لدفع الموظف إلى العمل أكثر، وحتى إلى دفع العاطل عن العمل للبحث عن عمل. ويختص هذا النوع من العلاج على تغيير السلوك – وكانت المجلة قد ذكرت أنه جزء من معالجة الاكتئاب الموسمي في فيديو يتكلم عن ذات الموضوع، تجده هنا-. ومن وضع هذا العلاج هو الاقتصادي ريتشارد لايارد في 2007. وبرأيه أن قادر على دفع الناس على مواصلة العمل في بريطانيا. وكان فعّالا في ذلك. حيث ظهر صعود في عدد المعالجين السلوكيين المعرفيين، وشركات تعمل على دفع الناس إلى العمل من خلال تحفيز اتجاهاتهم وتفائلهم.

ب. رفاهية المدراء التنفيذيين

هناك برامج مخصصة للتعامل مع النخبة من المدراء التنفيذيين، مثل البرنامج الرياضي للشركات Corporate Athletes Course. ويعمل هذا البرنامج على تعريف المدراء على طرق استثمار الطاقة. ليصبح لديهم مستوى عال من الصحة العقلية والجسدية. – وكان أن انتشرت حتى المعسكرات التي تساهم في تحسن صحة ومزاج أصحاب الأعمال، والتي تعلمهم تقنيات التواصل الاجتماعي بنفس الوقت، ومنها Leadership at the peak، في دافوس بسويسرا-.

ج. علم النفس الإيجابي

يركز هذا العلم على السعادة في علاج الاضطرابات النفسية. وذلك كون السعداء ينجزون أكثر، ويهتمون بصحتهم بشكل أفضل، وهكذا أصبحت السعادة صيغة مالية.

د. هندسة العوامل البشرية

وهي دراسة تختص في تصوير الأجسام أثناء الحركة، لمعرفة الكيفية التي يتم فيها هدر الطاقة. إذ بخلاف فخنر، فإن الطاقة لا تحفاظ على كميتها، إنما يتم هدرها. وجاءت هذه الدراسة للوقوف على أسباب إنهاك الموظف ومعالجتها. – لقد غفل الكتاب ذكر دور الشغف في التحفيز الذاتي لدى الموظف، حيث أنه عندما يحب الموظف عمله، فإنه سيتمكّن من إنجازه بشكل أفضل-.

هـ. الاستشارة الإدارية

وفيها يتم مراقبة العمال وسلوكياتهم لزيادة إنتاجيتهم. وذلك من خلال ترشيد أوقاتهم وحركتهم وحوافزهم النقدية. وكان أول استشاري إداري في العالم هو فريدريك وينسلو تيلر Frederick Winslow Taylor، الذي تمكّن من رفع إنتاجية العمال من 12.5% إلى 47.45%. ودعته جامعة هارفارد لتدريس درجة الماجستير في كليتها لإدارة الأعمال. وفي عام 1911، نشر مستخلص نظرياته ضمن مبادئ الإدارة العلمية Principles of Scientific Management. وقام بإنشاء مصطلح التايلورية، وفيها تقوم الشركات بمراقبة الموظفين وتحلل سوكياتهم. لكن تم الاستغناء عن نظريات تايلور، لأنه يتم استغلال قدرات العمال، دون توقّع تقديمهم لشيء معنوي أو شخصي للعمل.

و. الاهتمام بالموظف داخل عمله

ظهر الباحث إلتون مايو، الذي رأى أن الحضارة في سبيلها إلى الإنهيار، وأنه من الممكن إنقاذ الرأسمالية في حال تم الاهتمام بالموظف داخل عمله. بما في ذلك اهتمامه الشخصية ورفاهيته العقلية وتزويد العمال بأعمق مصادر المعنى. وفي عام 1926، وظفته كلية هارفارد لإدارة الأعمال. – ذكرت المجلة خبرا حول أهمية إنشاء ثقافة خاصة للشركة لتتمكن من النجاح والتميّز، تجده هنا-.

ز. الإدارة العلاجية

تم إجراء ما يسمى بـ تجارب هوثورن نسبة إلى المصنع الذي تمت فيه. وفيها تم اكتشاف أثر هوثورن، حيث زادت إنتاجية الموظفين بمجرد إشتراكهم في تلك التجارب، والسبب هو إنشاءهم لعلاقات اجتماعية فيما بينهم، وأصبح هناك نوع من الاسترخاء والتفاعل في أجواء أقل رسمية. وبالتالي لزيادة الإنتاجية، على المدير إنشاء علاقة مع الموظف. وخاصة بعد أن تبيّن أن العزلة هي سبب التعاسة للموظف وانسحابه من العمل، كما سبق وتمت الإشارة إليه. وهنا نرى أن سعادة الموظف بعيدة عن الحوافز المالية، وإنما بتسهيل إنشاءه للعلاقات الاجتماعية في مكان العمل. وبذلك تصبح مهمة المدير دفع شعور الموظف إلى التحسن، وتلقائيا سيتحسّن سلوكه، وستزداد سعادته وإنتاجيته. وهذا هو محور الإدارة العلاجية.

ح. مقاومة الإجهاد النفسي

أدركت الشركات العالمية طرق لمقاومة الإجهاد النفسي، ومنها برنامج Lamplighter الذي أطلقته شركة Unilever. والذي يساعد الإدارة العليا على المحافظة على أدائها، ومقاومة الإجهاد النفسي. وهناك تقنيات Health 0.2 للمراقبة الرقمية للرفاهية، وتطبيق Health في iPhone 6 الذي تم إطلاقه في 2014، وأصبح هناك توجه لأصحاب الأعمال بمنح عضويات مجانية للموظفين في صالات الألعاب، وجلسات مجانية للإرشاد النفسي – ونلاحظ انتشار مختصين علم نفس عاملين في مختلف المجالات والتي تكون مهمتهم تقييم الموظفين وعلاج مشاكلهم النفسية وتقييمها، وخاصة في مجالات الأمن والإنقاذ-. وأصبح هناك مجموعة من البرامج لتحسين الطاقة البدنية لدى الموظفين، مثل التي أطلقتها شركة Virgin Pulse.

التنافس وعلاقته مع الاكتئاب

انتشر الاكتئاب في خمسينات وستينات العام الماضي، ولم تنجع الأدوية في التخلص منه في تلك الفترة، كونها كانت جميعها تجريبية.

أ. ما هو الاكتئاب؟

الاكتئاب هو فقدان الرغبة والقدرة على طلب اللذة والسعادة، إضافة إلى قصور في الموارد البدنية والعقلية لملاحقة السعادة، والافتقار إلى الطاقة للتصرف. وسببه المجتمعات التي تجعل من نموها الشخصي فضيلتها القصوى. وضمن الثقافات التي تثمن المنافسة أكثر من أي شيء آخر.

ب. التنافس يسبب الاكتئاب

تبيّن أن بوجود التنافس بشكل كبير لدى مجتمع ما، ترتفع فيه نسبة الإصابة بالمرض، من الاكتئاب والنوبات القلبية والانهيارات العصبية والسكتات الدماغية. ومن جانب آخر، تبيّن أن الدول التي فيها مساواة يقل فيها الاكتئاب، مثل دول إسكندنافيا. أما التي تشهد لامساواة وتنافس عال، ينتشر فيها الاكتئاب مثل أمريكا. وتبيّن أن العوز النسبي يسبب حالة من الشعور بالدونية والقلق. ويصيب الاكتئاب رابح المنافسة أيضا، وذلك باعتراف المحترفين الرياضيين بمعاناتهم مع الاكتئاب. وفي دراسة قامت بها جامعة جورج تاون، تبيّن أن إصابة لاعبي كرة القدم بالاكتئاب هو ضعف عن من لا يمارسون اللعبة. – وكانت المجلة قد نشرت مقالة حول صحة المراهقين النفسية، وذكرت إحدى الطرق في تشجيعهم على الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي لما تسببه لهم من مقارنات غير متكافئة. للإطلاع على المقالة، من هنا.-

خلاصة

هناك من يعارض أن السعادة غاية البشر القصوى، مثل فريدريك نيتشه. وهناك خطر بتغلغل علم النفس الإيجابي وقياس السعادة، في الثقافة الاجتماعية والسياسة، لأنه اصبح هناك نتيجة بتحميل الأفراد مسؤولية شقاءهم وعلاجهم. لذلك يجب حل المشاكل السياسية ثم البحث في الشروط العصبية والذهنية لحل مشاكل الشعور. واهتمام المنتدى الاقتصادي بهذا الزخم حول السعادة وتقنياتها تثير الشك، مثل وضعها لأجل مصالح اقتصادية وسياسية. وخاصة أن علم السعادة قديم، فقد وجد قبل قرنين من الزمان. وما يحصل حاليا هو تكرار من جديد، يفترض أن العلاقة بين العقل والعالم تخضع لقوانين الرياضيات. ولو تم صرف هذه الملايين لإصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية بدلا من أبحاث المختبرات، لكنا أفضل حالا، وأكثر سعادة.

لا يمكنك نسخ النص!