مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

شارك هذا المنشور

صفات ((الذكاء العاطفي)) وطرق تحقيقها كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة

الذكاء العاطفي مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في أغسطس 18, 2019

بقلم: إشراق كمال عرفة – رئيسة التحرير

الذكاء العاطفي أو Emotional Intelligence مفهوم تم استخدامه أول مرة عام 1990، عن طريق طبيبي علم النفس: بيتر سالوفي من جامعة هارفارد، وجون مير من جامعة هامبشر. وهو مفهوم يشمل على الصفات العاطفية الضرورية للنجاح، أبرزها: التحكم في النفس، والاستقلالية، والتأقلم، والقدرة على حل المشكلات، واحترام الآخر، والتعاطف معه. أما تشريحيا، فالذكاء العاطفي: هو العلاقة بين قشرة الدماغ المسؤولة عن التفكير Cortex والمنطقة أسفلها، والمسؤولة عن العواطف Limbic System.

قسم التفكير Cortex

قسم التفكير أو Cortex هو المسؤول عن إعطاء معنى لما نفعله، وعن إمدادنا بمشاعر عن المشاعر؛ مثل التحليل، والتبصّر، وتعليل الشعور بطريقة ما، والتصرّف بناء على تلك المشاعر.

القسم العاطفي Limbic System

يتجاوب القسم العاطفي، أو Limbic System بقوة وأسرع للمواقف من قسم التفكير، مثل استشعار الخطر. ويأتي أهمية قسم التفكير في هذه الحالة بإمداد المرء بمعنى للمشاعر التي تختلجه قبل التصرف، مثل التمهّل. ومن الجدير بالذكر وجود ممر عصبي يساعد قسم التفكير على تهدئة القسم العاطفي، والذي يمكن تطويره من خلال التعلّم.

بداية انتشار مفهوم الذكاء العاطفي

كان كتاب الأفضل مبيعا (Emotional Intelligence) الذي صدر عام 1995 لدانييل غولمان، بداية انتشار مفهوم الذكاء العاطفي، ليصبح موضوعا يتم مناقشته في مختلف الغرف الصفية، وقاعات الاجتماعات، وحتى البيت الأبيض. إذ أشار إليه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى الصحفيين بقوله: “يا له من كتاب رائع” وذلك ضمن حملته الانتتخابية في مدينة دنفر بولاية كولارادو الأمريكية. وأضاف: “إنه كتاب مثير للاهتمام. لقد أحببته. وهيلاري من أهدتني إياه”.

الذكاء العاطفي في الإسلام

ولكن المثير حقا هو ذكر الإسلام للذكاء العاطفي قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. مما يثبت مرة أخرى على أن الإسلام، دين رحمة وإنسانية، ومنهج لحياة ذكية على مرّ العصور. كما أنه يتميّز عن الكثير من كتب علم النفس التي شرحت الذكاء العاطفي، بذكره لطرق بسيطة وفعّالة، لتحقيق صفات الذكاء العاطفي، إضافة إلى الحثّ على اكتسابها، وذلك ببيان فضلها في الدنيا والآخرة. وفيما يلي – على سبيل الذكر لا الحصر- أبرز صفات الذكاء العاطفي التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مع ذكر فضلها وطرق تحقيقها:

أولا – ضبط النفس

بيّن الرسول – صل الله عليه وسلم – أبرز صفات الذكاء العاطفي، وهي ضبط النفس. وذلك من خلال النهي عن الغضب بقوله الشريف: (لا تغضب). فالغضب صفة منفرة، لا تجلب لصاحبها سوى الوبال، وخسارة الآخرين من حوله. فكم من شخص ندم على تصرف، أو قول قام به عند غضبه. قال الرسول – صل الله عليه وسلم -: (ليس الشديد بالصرعة). وفي الحثّ على ضبط النفس، بين الله تعالى أنها من صفات المحسنين: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)) – آل عمران.

طرق ضبط النفس

ذكرت السيرة النبوية الشريفة عدة طرق بسيطة وفعّالة للتخلّص من الغضب، منها:

1. (لو يقول أحدكم إذا غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه غضبه).

2. (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).

3. (علموا، ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت).

ثانيا – التفكير الإيجابي

بحسب عالم النفس لورنس شيبارو، يعد التفكير الإيجابي من صفات الذكاء العاطفي، لأهميته في اكتساب المرء حصانة في وجه مصاعب الحياة، والقدرة على حل مختلف مشاكلها، متجنبا الاكتئاب والأمراض الجسدية التي يسببها القلق والتوتر.

طرق التفكير الإيجابي

هناك العديد من الطرق التي ذكرها الإسلام لتحقيق التفكير الإيجابي، نذكر منها خمسة:

1. تجنّب الندم: حث الإسلام  على التفكير الإيجابي من خلال النهي عن الندم. قال الرسول – صل الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير استعن بالله، واحرص على ما ينفعك ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، فإن لو تفتح باب الشيطان).

2. الإيمان بالقضاء والقدر: في الإيمان بالقضاء والقدر ما يحقق التفكير الإيجابي بقوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) – الحديد

3. تأمل الطبيعة: يوصي الإسلام بتأمل الطبيعة، لما له دور في مساعدة الإنسان على التفكير بإيجابية. وذلك من خلال إنعاش الروح، وإحياء الأمل، وطرد لكل الهواجس والأفكار السلبية. قال تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)) – النمل. وكما ذكرت إحدى التفاسير، فمنظر الحدائق الغنّاء يحيي القلوب ويبث فيها السعادة والحياة. كما في تأمل خلق الله وإبداعه في الزهر والشجر كفيل بتمجيده وشكره والامتنان لصنعه، فيتخلص الذهن حينها من أية وساوس وتنطلق الروح منسجمة متناغمة مع جمال الكون، وتشرق الروح والفكر بكل أمل.

4. تقوية الصلة بالله: وفي تقوية الصلة بالله، والتوكّل عليه، واليقين بألا يعجزه شيء، ما يحيي الأمل ويحقق التفكير الإيجابي. قال تعالى:

أ. (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60))- غافر.

ب. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً (44)) – فاطر.

ج. (إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (160)) – آل عمران.

د. (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28))- الرعد.

5. حسن الظن بالله: من أبرز طرق تحقيق التفكير بإيجابية، حسن الظن بالله. في الحديث القدسي قال الرسول – صل الله عليه وسلم -: (يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذ ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب لي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرّب إلي ذراعا تقرّبت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). وهناك العديد من القصص التي ذكرها القرآن في هذا الشأن، مثل قصة موسى عليه السلام حين أسري ببني إسرائيل، إلى أن لقيهم البحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فقال أصحاب موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)) – الشعراء، أي لا مفر من الهلاك، فأجابهم موسى في الآية التالية: (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) . وفي اللحظة الأخيرة يأتي فرج الله فيلهم موسى بضرب البحر بعصاه فينفلق ويتحقق نصرهم. وذات الشيء مع قصة الرسول محمد – صل الله عليه وسلم- عندما اختبأ في غار ثور مع سيدنا أبي بكر – رضي الله عنه – هربا من المشركين، فقال له مهدئا من روعه: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(40)) – التوبة.

ثالثا – عدم الاستسلام للمشاعر السلبية

يضيف شيبارو أن من صفات الذكاء العاطفي تجاوز المشاعر السلبية وعدم الاستسلام لها.

طرق عدم الاستسلام للمشاعر السلبية

هناك العديد من الطرق التي ذكرها الإسلام حول عدم الاستسلام للمشاعر السلبية، نذكر منها أربعة:

1. إدراك حقيقة الحياة: بيّن الله تعالى حقيقة الحياة، وأن ما يتعرض له الإنسان من مختلف المصائب، ما هي إلا ابتلاءات وستمضي، ومنها ما يظهر أنها ابتلاء ولكن فيها الخير الكثير. قال تعالى:

أ. (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36)) – محمد.

ب. (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)) – البقرة.

ج. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155)) – البقرة.

2. النهي عن الحزن واليأس:  نهى الله تعالى عن الحزن واليأس:

أ. (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)) – فصلت.

ب. (إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)) – يوسف.

ومن السنة النبوية الشريفة: (من أصبح حزينا، أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو من مصيبة فكأنما يشكو الله).

3. الترغيب بالصبر: بيّن الله الثواب العظيم للصبر بقوله جلّ وعلا:

أ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)) – البقرة.

ب. (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)) – البقرة.

ج. (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ (27)) – إبراهيم.

وقد روي عن الرسول – صل الله عليه وسلم في فضل الصبر، أخبار كثيرة، منها:

أ. (النصر في الصبر).

ب. (بالصبر يتوقع الفرج).

4. الصدقة: بيّن – صل الله عليه وسلم- أن بالصدقة يتخلّص المرء من مشاعره السلبية، وذلك بقوله الشريف: (تداركوا الهموم والغموم بالصدقات، يدفع الله ضركم وينصركم على عدوكم).

رابعا – التحفيز الذاتي

من بعد التفكير الإيجابي، وتجاوز المشاعر السلبية، ينشأ تلقائيا التحفيز الذاتي. وبحسب شيبارو، فهي مرادفة للعمل الجاد والمثابرة، الذي يؤدي للنجاح والرضى عن النفس.

طرق التحفيز الذاتي

لتحقيق التحفيز الذاتي، حثّ الإسلام على العمل، بقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)) – الجمعة. وبيّن الله تعالى أن الحياة ما هي إلا دار للعمل: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) – الملك.

كما تزخر السنة النبوية الشريفة بالحث على العمل وبيان فضله. منها:

أ. (من عمل أحدكم عملا فليتقنه).

ب. (إن الله يحب المؤمن المحترف).

ج. (من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له).

ويرفع الإسلام من مكانة العمل لتصل إلى مرتبة العبادة. فقد روي عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: جاء رجل إلى النبي – صل الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ألا ما ينفي عني حجة العلم؟ قال – صل الله عليه وسلم-: (العمل).

خامسا – الصحة الجسدية

أفاد شيبارو أهمية الصحة الجسدية لصحة العقل والعواطف، مثل اعتماد حمية صحية، وممارسة الرياضة، والنوم الجيد. ولكن الإسلام بيّن أكثر من ذلك:

طرق تحقيق الصحة الجسدية

تزخر الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بطرق لتحقيق الصحة الجسدية، تم اختيار أبرزها بهذه الطرق الثلاث:

1. النهي عن المنكرات: نهى الإسلام عن المنكرات التي تضر الجسم، من الزنا وتناول المسكرات ولحوم الميتة ولحم الخنزير، والتي ثبت ضررها البالغ على صحة الإنسان. قال تعالى:

أ. (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (33)) – الأعراف.

ب. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) – المائدة.

ج. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ (3)) – المائدة.

2. التوازن: الإسلام دين توازن، يلبي حاجات الإنسان الجسدية والروحية، فلا إفراط ولا تفريط. وتزخر السيرة النبوية بوصايا للتوازن في المأكل والمشرب، أبرزها قوله الشريف: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب للنفس). وقال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)) – الأعراف. كما شمل التوازن، تلبية الاحتياجات الفطرية والروحية. قال الرسول – صل الله عليه وسلم- :

أ. (إن لبدنك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه).

ب. (إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له ولكني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وذكرت المجلة مقالة سابقة عن التوازن، ودوره في تحقيق النجاح والثراء، يمكنك الاطلاع عليها بالنقر هنا.

3. الصدقة: يأتي ذكر الصدقة مرة أخرى، بعد أن تم ذكرها للتخلص من المشاعر السلبية. فقد بيّن الإسلام دورها لتحقيق الصحة الجسدية، وذلك بالتعافي من مختلف الأسقام. قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)) – التوبة. وفي السيرة النبوية الشريفة، العديد من الأحاديث عن فضل الصدقة في الشفاء، والوقاية من الأمراض، منها:

‌أ. (داووا مرضاكم بالصدقة).

ب. (الصدقة تسد سبعين بابا في الشر).

ج‌. (ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا، إلا كان في حفظ الله ما كانت عليه من رقعة).

سادسا – حسن التعامل مع الآخرين

أفاد البروفيسور ويليام ديكون من جامعة براون الأمريكية، أن من صفات الذكاء العاطفي القدرة على إدراك الفرق بين التصرف الجيد والتصرف السيء، والتقيد بالقواعد الاجتماعية، وتطوير الاهتمام وحس المسؤولية بما يتعلق بحقوق الاخرين، مثل الرحمة واللطف والمساعدة.

طرق التعامل مع الآخر

فصّل الإسلام طرق التعامل مع الآخرين، وحدد الأساس الذي عليه تقوم العلاقة معهم. وتم تصنيف هذه الطرق ضمن خمسة:

1. التعاون: في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159))، ورود أربع صفات للذكاء العاطفي في التعامل مع الآخر، وهي: التعاطف، والرحمة، والتعاون، والمشاركة. كما حثّ الرسول – صل الله عليه وسلم- المسلمين على التعاون فيما بينهم بقوله الشريف: (وتعاونوا على البر والتقوى).

2. المحبة: بيّن القرآن الكريم السبيل لتحقيق المحبة بين الناس، وذلك في الصفح: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)) – فصلت. وذكرت السنة النبوية طريقة أخرى لتحقيق ذلك: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). وفي الحثّ على محبة الآخر، بيّن الرسول – صل الله عليه وسلم- أن الإيمان لا يكون إلا بذلك بقوله الشريف:

أ. (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

ب. (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

3. النهي عن الأخلاق السيئة: وفي وقاية العلاقات الإنسانية من الفساد، نهى الله تعالى عن الغيبة والنميمة وسوء الظن والتكبر والغرور:

أ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)) – الحجرات.

ب. (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) – لقمان.

4. الإحسان: تزخر الآيات بالدعوة إلى الإحسان إلى الآخر، وخاصة إلى الوالدين والزوجات واليتامى والمساكين، وحتى في دعوة غير المسلمين. قال تعالى:

أ. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)) – البقرة.

ب. (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)) – المائدة.

ج. (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (229)) – البقرة.

د. (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (152)) – الأنعام.

هـ. (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125)) – النحل.

وفي الحثّ على الإحسان، ذكر الله تعالى ثوابه:

أ. (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60)) – الرحمن.

ب. (فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)) – آل عمران.

5. حفظ الحقوق: وأما بما يتعلق بالالتزام بالقواعد الاجتماعية، أمر الإسلام بأداء الحقوق والديون، ونهى عن الغش والاحتكار. قال تعالى:

 أ. ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً(282))- البقرة.

ب. (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (85))- الأعراف.

ومن السيرة النبوية الشريفة:

أ. (والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل الله، ثم عاش ثم قتل، ثم عاش ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه).

ب. (من غش فليس منا).

ج. (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام).

وبذلك نجد أن رسالة الإسلام هي الأخلاق. وهذا ما أشار إليه الرسول – صل الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

لماذا علينا الاهتمام بالذكاء العاطفي؟

بدأ التركيز على أهمية الذكاء العاطفي في المجتمعات الغربية، بعد ملاحظة  انتشار مختلف الأمراض والمشاكل بين الأطفال والمراهقين على حد سواء، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الأمراض العقلية والجنسية وارتكاب الجرائم والجنح والهروب من المدرسة وحمل المراهقات والإدمان وغيرها. وخاصة مع قصور النظام التعليمي الذي تم إنشاؤه في ذلك الوقت على إنشاء جيل ناجح كما هو متوقع، وتغيّر نمط الحياة العصرية بشكل سلبي على تنشئة الأطفال بانشغال ذويهم عنهم. وللأسف، أصبح كل ذلك من واقع الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية. لذلك لا بد أن نبدأ بدورنا بالتركيز على إشباع الجانب العاطفي لدى أطفالنا. ولا أفضل من تحقيق ذلك من العودة إلى تعاليم القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة كما تبيّن في هذه المقالة، وخاصة بعد أن ثبت علميا القدرة على تطوير الذكاء العاطفي من خلال التعلّم، دون إغفال أهمية أن يكون الأهل القدوة في ذلك أولا.

اقرأ أيضا
لا يمكنك نسخ النص!