مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

سيكولوجية الجماهير كتاب في صفحة مجلة فوياج الإلكترونية
كتاب في صفحة

سيكولوجية الجماهير

شارك هذا المنشور
سيكولوجية الجماهير كتاب في صفحة مجلة فوياج الإلكترونية

تمهيد

هذا الكتاب مُكمّل من حيث الأفكار لكتاب سابق قمنا بنشر قراءته، بعنوان التفكير المستقيم والتفكير الأعوج. والذي يتحدث عن طرق تأثير الساسة والقادة على الجماهير، وطرق تحريضها وتحريكها بمختلف الوسائل. تجد القراءة الخاصة به هنا. يبدأ هذا الكتاب بالتعريف عن علم النفس الاجتماعي والجماعي، وعن صاحب الكتاب غوستاف لوبون، ونقده لتفسير الجماهير التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ويستخدم الثورة الفرنسية كمثال في تحليل نفسية الجماهير ومشاعرها.

مقدمة

صدر هذا الكتاب أول مرة عام 1895. وكانت الأفكار فيه غريبة وغير معقولة. ومع ذلك، تُرجم إلى العديد من اللغات حول العالم. الكتاب مثير جدا للجدل، وفيه أفكار رفضها الكثير من الباحثين، كونها تستند بالنهاية إلى العرق. حيث يستخدم لوبون مفهوم العرق لتفسير سلوك الجماهير. وفي نفس الوقت حرّكت أفكار هذا الكتاب، الكثير من البحوث والكتب، فمارست تأثيرا على علم نفس الجماهير وتطوره. ويرى الأستاذ المشارك في كلية الآداب بجامعة باريس، أوتو كليمبيرغ، بضرورة قراءته.

مقدمة لعلم النفس الاجتماعي وفكر غوستاف لوبون

يعود علم النفس الاجتماعي إلى أفلاطون وأرسطو وابن خلدون، الذي درس سر انحطاط الدولة الإسلامية في إسبانيا. تطوّر علم النفس الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية. أسسه الفرنسيون وخاصة غوستاف لوبون، لمعرفة مدى انسجام الفرد في المجتمع وشذوذه، وسلوك المجتمعات.

علم النفس الجماعي

يدرس علم النفس الجماعي العلاقة بين الفرد والمجتمع، وعمليات دمج الفرد فيه. وهو يدرس دراسة علمية للفرد بصفته إنسانا متأثرا بأفراد آخرين، والمجتمع ككل، ثم تأثير المجتمع على الدائرة العاطفية والسلوكية للفرد. وعلم النفس الجماعي سبق الاجتماعي. حيث نشأ في القرن التاسع عشر على يد الإيطاليين قبل أن يطوّره غوستاف لوبون. وهو أول من اهتم بجاذبية بعض القادة على الجماهير والشعوب. ويفسّر علم النفس الجماعي تصرفات الجماهير العمياء وحماسها.

من هو غوستاف لوبون؟

هو مؤسس علم نفس الجماهير. ولد عام 1841 وتوفي 1931. كتب في الطب والفيزياء والآثار، وعلم النفس الاجتماعي. وله العديد من الكتب، مثل حضارة العرب، حضارات الهند، وسيكولوجية الجماهير الذي صدر عام 1895 وغيرها. تمكّن غوستاف لوبون من فهم كيفية ثوران الجماهير في ظل عصر التنوير بعصر هتلر. ولاحظ أيضا أنه لولا الحلم والوهم لما ثارت الجماهير الجائعة عبر العصور.

سيكولوجية الجماهير

سيكولوجية الجماهير هو أشهر كتب غوستاف لوبون. وهو الذي أعطاه مكانة رفيعة. وهو الوحيد الذي قررته الجامعات كمرجع، وتم اعتماده من قبل الباحثين العالميين لدراسة الجماهير. تناول لوبون الجماهير من وجهة نظر أخرى غير البربرية. مثل تشخيص الأوضاع البرلمانية بعد الثورة الفرنسية، وقال إن الحل وقتها في إصلاح البرلمان بظل الأوضاع المستجدة، فقوة الحكم والحاكم تؤدي إلى استقرار النظام الاجتماعي.

تعريف الجماهير

الجماهير هي تراكم من الأفراد المجتمعين بشكل مؤقت ضد المؤسسات. وبحسب بعض الباحثين، فإن الجماهير مجموعة من الأشخاص الهامشيين الشاذّين عن المجتمع، مثل السوقة والرعاع، وناس مستبعدون من الحياة العامة. وهي مجنونة بطبيعتها؛ فهي تصفق بحماس، وتعيش هلوسة وجنون. إذ نجدها تصطف لساعات لرؤية شخصية ما، وتجهز على شخص لقتله والتمثيل بجثته في ظرف آخر. كان قديما الدين مُجيّش الجماهير، وبعد علمنة أوروبا أصبحت السياسة والنقابات والأحزاب هي المؤثرة عليها والمحرّكة لها. فحلّت السياسة مكان الدين.

روح الجماهير

هناك روح للجماهير. وهي انفعالات بدائية مكرّسة بواسطة عقائد إيمانية قوية. وهي بعيدة عن العقل والمنطق، وتخضع لتحريضات أحد المحرّكين، أو القادة القادرة على التأثير عليها. فتعمل على تنفيذ أعمالا استثنائية، لن يتمكن الفرد الواحد فيها القيام بها لوحده، ويمكن التحكّم بروح المشاهير بالشعارات. وهو ما ذكره كتاب التفكير المستقيم والتفكير الأعوج.

العرق بمفهوم لوبون

يرى لوبون أن العرق هو انتماء الشعوب لنفس الأصل، أو من أصول مختلفة ولكنها غير متباعدة. وبذلك فهي تشكّل العرق التاريخي. إضافة إلى أن يكون هناك نظام أخلاقي وديني وسياسي، مركّب من مجموعة من الأفكار والعواطف المشتركة. وهذا المفهوم يخالف العرق الذي كان سائدا حينها، الذي كان يعني تميّز جماعة عن أخرى من صفات جسدية وأخرى.

أبرز صفات الجماهير

الجماهير مجنونة تقتل وتنهب وتكسر وتخرج عن القانون. في نهاية القرن التاسع عشر زادت الجماهير وخافت منها السلطات. فراح المفكرون يتحدثون عن الجماهير المجنونة التي تهدد أمن الدولة، وطمأنة المواطنين وسلامتهم. ويعدّ سيغهيل أول من بلور نظرية علم النفس الجماهيري.

مفهوم الجماهير لدى لوبون

رفض لوبون المفهوم السائد للجماهير. حيث رأى أنها مجموعة من الأفراد ممن ينصهرون معا. وحينها تُلغى التمايزات الشخصية، ويصبحون روحا وعاطفة واحدة. وهي ليست مجرمة وفاضلة، فهي كذا وكذا. كما أنها ليست مدمرة، وتود الشغب لأجل الشغب فقط. فطريقة تحريض الجماهير هي التي تجعلها إما بطلة أو مجرمة.

نظرية لوبون

يرى لوبون أن الجماهير ظاهرة اجتماعية. وأن التحريض هو وراء انحلال الأفراد، والقائد هو المحرك والمنوّم المغناطيسي لها. والأفراد لا يعتمدون على قوانين العقل والبرهان، وإنما على الذاكرة والخيال. وبالتحريض يتم تحريكهم، كونهم لا يقتنعون إلا بالصور الإيحائية، والشعارات الحماسية، والأوامر المفروضة من فوق.

نمطين من الفكر

هناك نمطين من الفكر: المفهومية، والتي تعتمد على قوانين العقل والبرهان. والمجازية التي تعتمد على قوانين الذاكرة والخيال والتحريض. وتلجأ الأحزاب السياسية في إعلاناتها إلى الإيمان بلا عقلية الجماهير، ثم التظاهر بأنها عقلانية ومنطقية. ويلجأ كل سياسي ناجح بوضع قناع على وجهه، ليقول ما يدغدغ عواطف الجماهير، لا ما يعتقده هو نفسه بالفعل.

سبب قوة الجماهير

إن دخول الطبقات الشعبية في الحياة السياسية، وتحويلها إلى طبقات قائدة، هي من أبرز خصائص عصر التحوّل. ونشأت قوة الجماهير من زرع الأفكار فيها بشكل بطيء، وبواسطة التجميع المتدرج للأفراد، – تماما مثل حياة نيلسون مانديلا، القراءة الخاصة بسيرة حياته، تجدها هنا –. ثم نشأت النقابات والأحزاب التي رضخت لها السلطات.

محاربة الجماهير

تمت محاولة القضاء على قوة الجماهير من خلال النداء بالقوة الأخلاقية للكنيسة، وتعاليم الوحي – وطاعة الولي – وغيرها.

الجماهير لا تبني حضارة

الحضارات بنيت من قبل أرستقراطية قليلة العدد، الجماهير لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير كما يخبرنا التاريخ، فالحضارة تتطلب قواعد ثابتة، ونظام محدد، والمرور بمرحلة الفطرة إلى العقل، والقدرة على استشراف المستقبل، ومستوى عال من الثقافة. وجميعها غير موجودة في الجماهير!

صفات قائد الجماهير

كل مؤسسي العالم والقادة كان لديهم علم بالنفس. كان نابليون على سبيل المثال، قادر على معرفة أعماق نفسية الجماهير، فهي المصدر الأساسي لرجل الدولة الحاكم، ولقائد الجماهير. وليتمكن القائد من التأثير في الجماهير، عليه استخدام الشعارات العنيفة، المبالغة في كلامه، والتكرار الجازم  – وهذه الصفات التي ذكرناها سابقا في كتاب التفكير المستقيم والتفكير الأعوج، تجد قراءته هنا – دون حتى العناء في محاولة إثبات أي مما يقوله ويعد به.

الإيحاء .. الهيبة .. التكرار .. العدوى

يقول نابليون: “لا يوجد إلا شكل واحد جاد من أشكال البلاغة، ألا وهو التكرار”. وذلك لأن القيادي الذي يحرص على تكرار  أفكاره، يقوم بغرسها في اللاوعي لدى الجماهير، وحينها تؤمن بها. العدوى

العدوى هنا هي عدوى المشاعر؛ من الخوف أو الحركات المضطربة. حينها ستصيب الآخرين ويمكن أن تنتشر بشكل واسع.

الهيبة

هي أساس كل هيمنة. والهيبة إما إعجاب أو خوف. كما أن هناك نوعين من الهيبة: المكتسبة والذاتية. المكتسبة هي التي تأتي من اسم العائلة والثروة والشهرة. أما الذاتية فهي شيء فردي متعايش مع الشهرة، أو مدعوم بها، ولكنها قادرة على التواجد بشكل مستقل عنها. والمنتشر في هذه الحياة، هي الهيبة الصناعية أو المكتسبة.

أهمية الهيبة

لاحظ باسكال حاجة القضاة إلى الرداء والشعر المستعار. لأنه من دونهما سيفقد الكثير من الهيبة. فالهيبة تجعل الشخص مُطاع. وتختفي الهيبة الشخصية مع الفشل، حيث يمكن للجماهير أن تصفق للقيادي، وعند فشله ستحتقره. فالمؤمنون يحطمون بنوع من الهيجان تماثيل آلهتهم السابقة. وللمحافظة على الهيبة، على القائد منع المناقشة، وإقامة مسافة بينه وبين الجماهير.

أنواع القادة

هناك نوعين من القادة: ذوي الإرادة القوية ولكن مؤقتة، وذوي الإرادة الدائمة. وهذا النوع الأخير شبيه بقادة الدين. إذ لديهم إرادة جبارة قادرة على تحطيم كل ما يقف بوجههم. أما النوع الأول، فهناك مشكلة يواجهونها عند عودتهم للحياة العامة. إذ يصبحون عاجزين، وضعفاء عن التفكير والتصرف في الظروف الأكثر بساطة، إلا في حال وجدوا قائدا لهم.

أثر الجمهور على الفرد

هناك فرق بين تجمع الناس لهدف أو صدفة. ويأتي ذوبان الشخصية الواعية للأفراد عندما يجمعهم مبدأ أو انفعال ما. مثل اجتماع الطبيب والعامل في المزاج والعقيدة. وهذه ما يتحكم بها اللاوعي، وهي التي تكون مشتركة في العرق الواحد. كما تختفي الاختلافات الفكرية والفردية في الروح الجماعية. ويختلف الفرد في الجمهور بالفكر والشعور والتصرف عما إن كان معزولا. وفيما يلي أبرز ما يحصل للفرد في الجمهور:

تلاشي الشخصية الواعية.

هيمنة الشخصية اللاواعية.

توجّه الجميع بنفس الخط إما بالتحريض أو العدوى.

الميل إلى تحويل الأفكار المحرّضة إلى فعل، فيصبح الفرد كالآلة، ولم تعد إرادته قادرة على أن تقوده.

اللاوعي

اللاوعي هو ما يُحرّك الجماهير. وهو تفسير اختلاف تصرف الفرد في الجمهور عما إن كان لوحده. لهذا السبب لا تستطيع الجماهير القيام بأعمال تتطلب ذكاء عال. فالجماهير تجمعها التفاهة.

أسباب تتحكم بصفات الجماهير

يشعر الفرد في الجمهور بالقوة كونه ينصاع لبعض الغرائز، وبسبب اختفاء الحس بالمسؤولية عندما يكون مع الجماهير. وهناك أيضا العدوى العقلية، مثل تضحية فرد بمصلحته الشخصية لأجل الجماعة. وهناك الصفة التحريضية؛ وهي شبيهة بالتنويم المغناطيسي، فالفرد في الجمهور الهائج، تشلّ لديه حالة الدماغ، وتصبح أفعاله توجهها اللاوعي، ومن قبل المحرّض، ويُلغى عنده الفهم. فلا يصبح الفرد واع بأعماله. وحينها يمكن أن يصبح المجرم شريفا، والجبان بطلا، أو العكس، وهكذا.

عواطف الجماهير وأخلاقياتها

العرق هي الأرضية الثابتة للمشاعر والعواطف. فكل الجماهير تتفاوت في ذلك، هناك فرق مثلا، بين الجمهور اللاتيني وغيره. وتتميز الجماهير بسرعة الانفعال، وبخفتها. لأن أعمالها واقعة تحت تأثير النخاع الشوكي، أكثر منها من العقل، وبالتالي يمكنها إنجازها لأعمال بدقة عند التحريض والإثارة. كما لديها حيوية لأبعد حد؛ يمكن أن تنطلق إلى البطولة من الجريمة والعكس. فهي كالأوراق التي يتلاعب بها الإعصار.

صعوبة حكم الجماهير

يصعب حكم الجماهير. ولولا ضرورات الحياة اليومية، لما استطاعت أن تستمر الأنظمة الديمقراطية. فالجماهير عاجزة عن الإرادة الدائمة والتفكير المستقر. وهي كالإنسان الهمجي؛ لا يعبأ بين العقبة وتلبية حاجته، فليس هناك ما يمنعه من حرق القصور والنهب والقتل وغيرها.

سرعة التأثر

تتميّز الجماهير بسرعة تأثرها، وبسذاجتها، وبتصديقها لأي شيء من الأساطير والعجائب وغيرها. يمكن توجيهها بسهولة من خلال عواطفها. وذلك من خلال العدوى والانتشار. وتتلقى كل الاقتراحات والأوامر بسهولة. كما تنتشر بينها الإشاعات بسرعة وبقوة. إذ يمكن مثلا، لفرد واحد أن يجعل جيش يصدقه بوجود شخص ممسوس أو ساحر، وحينها تتم مهاجمته وقتله وحرقه.

شهادة الجماهير لا قيمة لها

يتم تحريض الجماهير عن طريق الوهم والعدوى، وخاصة ما يُسمى بالوهم الأولي. فإن كان الرائي متيقن بما رآه ينفي كل ما يخالف ذلك، وتصبح رؤياه النواة للتضخّم والتبلور. لهذا السبب شهادة الجماهير لا قيمة لها، ويجب عدم الثقة بها.

أهمية الوهم

الوهم مهم  لتحريك الجماهير لأن من دون الأبطال والشعراء، لا يبقى لديها أمل. ومن يقدر على وهمهم يكون سيدا لهم، ومن يقشع أوهامهم يصبح ضحية لهم.

خيال الجماهير

تقوم الجماهير بتهويل الشخصيات، لتصل إلى عبادتها كما حصل في عبادة الأوثان. فخيال الجماهير يحوّل ويعدّل باستمرار الشخصيات العامة. وبحسب العرق والجنس، تقوم الجماهير بصنع آلهتها وأبطالها وغيرهم. مثلا، رأت الجماهير في نابليون شخصا طيبا، وبعد عقد من الزمان، أصبحت تراه دمويا ضحّى بالملايين ليكون في السلطة. وربما بعد قرون سيشك الناس في وجوده كما نشك الان بوجود بوذا.

عواطف مبسّطة

تتميّز الجماهير بالعواطف المبسّطة والمضخّمة. وهي لا تستطيع رؤية الفروق البسيطة. فهي إما أن تقبل كل الأفكار، أو ترفضها كلها، ولا تقبل الاعتراض أو المناقشة.

أخلاقيات الجماهير

الجماهير غير مهيأة لاحترام النزعة الأخلاقية. ولكن بما يتعلق بالتفاني والتضحية، فهي قادرة على تحقيقها. حتى أن بعض الأوغاد يمكن أن يتحوّلوا إلى شرفاء.

تحفيز الجماهير

يتم تحفيز الجماهير من خلال الأفكار البسيطة والصور. ويجب أن تدخل اللاوعي لديها، وأن تصبح عاطفة متماسكة. ويحتاج تحريك الجماهير إلى وقت طويل، كما في الثورة الفرنسية، والتي تصبح حينها قوة لا تقاوم. وكما تحتاج إلى وقت لتنغرس فيها الأفكار، فإنها تحتاج إلى وقت لتظهر. فالجماهير عبارة عن مخلوق من الماضي، ولا يمكن أن تتغير، إلا بتراكمات وراثية بطيئة.

دور الدين

الدين هو الذي يغذي التعصّب والتطرّف لدى الجماهير. وهو ما يحركها للتضحية أو للإفساد. وللدين دور مهم في تحفيز الجماهير، كونه يرتبط بالغيبيات، وبالمعجزات.

عوامل تحديد عقيدة الجماهير

هناك عاملين لتحديد آراء الجماهير وعقيدتها: عوامل بعيدة، وعوامل مباشرة. العوامل البعيدة، هي التي تبني قناعات الجماهير وتُمهّد الأرضية للأفكار. أما المباشرة، فهي التي تتراكم على العمل التمهيدي، والتي لا تفعل فعلها بدونه. فهي التي تؤدي إلى التمرد أو الإضراب.

العوامل المباشرة

تؤثر الصور بشكل أكبر في الجماهير من أي شيء آخر. وهناك أيضا الكلمات التي ليس لها معنى محددا، مثل الحرية الاشتراكية والديمقراطية. إذ لها قوة سحرية وكأنها حل لكل المشاكل. ولتحريض الجماهير، يتم عرض إما صورا لها، أو منحها كلمات لتبني مخيّلتها عليها.

العقل

العقل هو عامل سلبي في التأثير على الجماهير. لأن الجماهير غير عقلانية، ولا يتم التكلّم معها بلغة العقل، وإنما بلغة التحريض والتحفيز، وبالعواطف مثل الشرف والتفاني وحب الوطن والمجد.

الثورة الفرنسية

كان العامل البعيد في الثورة الفرنسية هو نقد النظام من قبل المفكرين، ثم ابتزازه وتهيئة الجماهير للثورة. أما العامل المباشر، فقد كان من خلال الخطباء، ومحاولة البلاط القيام بتعديلات زهيدة، أثارت المزيد من السخط.

عوامل أخرى

هناك عوامل أخرى عامة لتحديد عقيدة الجماهير، مثل التقاليد والزمن والعرق. أهمها العرق لما له من قوة كبيرة. أما التقاليد فهي خلاصة العرق، وتضغط عليه مثل الأفكار.

التقاليد

أكبر همين للإنسان: خلق شبكة من التقاليد، ثم تدميرها عند استنفاد آثارها الإيجابية والنافعة. ودون التقاليد الثابتة لا يمكن أن توجد حضارة، ودون الإزالة البطيئة لها، لا يمكن أن يكون هناك تقدم. والتوازن هذا صعب، خاصة عند ترسّخ العادات والتقاليد.

الزمن

هو المولّد الحقيقي والمدمّر الكبير. والزمن قادر على تحويل الحضارات.

المؤسسات السياسية والاجتماعية

هناك وهم أنها تُشكّل علاج لنواقص المجتمع، ولا ميزة لها. ويمكن أن تكون مختلفة. وما يناسب شعب، لن يناسب آخر.

التعليم

ينتج عن التعليم جماهير مستعدة للتمرد. فالفلاح لا يريد أن يكون فلاحا، والعامل لا يريد أن يبقى عاملا. كما أنه يُحضّر الناس للوظائف العامة. ثم لا يتوظّف من الخرّيجيين إلا القليل منهم.

أهمية التطبيق في التعليم

يرى لوبون أنه بدلا من وضع الطفل في المدرسة، أن يتم وضعه في المعمل أو المصنع، ليكون له فهم دقيق للأشياء وللبشر ولمختلف الأساليب.

دور التعليم في تحريك الجماهير

للتعليم علاقة في تحسين روح الجماهير أو إفسادها. فالمباليين يتحوّلوا إلى ناقمين ثوريين. والمدرسة تُخرّج الثوريين والناقمين، وتهيأ لزمن الانحطاط.

الصحافة

أصبحت الجماهير هي المحركة للسياسة، كما في التحالف الروسي الفرنسي الذي خرج من الحركة الشعبية. وأصبحت الصحافة غير قادرة على فرض أية فكرة أو عقيدة، وإلا فقدت قراءها وأصبحت تتبع تغيرات الفكر العام. أما الصحف القديمة التي كان لها تأثير كبير، فقد اختفت!

مراقبة الرأي العام

أصبح الشغل الشاغل للصحف والحكومات، مراقبة الرأي العام. حيث أصبحت الجماهير غير مبالية، وتفتت لديها القناعات واليقينيات، وانحلّت العقائد العامة. ولم يعد هناك مدافعين حقيقيين إلا بطبقات الأميّة من الشعب.

تصنيف الجماهير

الجماهير نوعان: جماهير غير متجانسة، مثل الشارع وهيئات المحلفين. وجماهير متجانسة، مثل الطوائف السياسية والطبقات والزمر. الطائفة هي المرحلة الأولى لتشكل الجماهير المتجانسة، وتربطهم العقيدة والإيمان. والزمرة هم من الجماهير ممن يملكون نفس المهنة، مثل العسكريين والعمال. أما جماهير الطبقات، فهم ما يجمعهم عادات حياة متشابهة ومصالح.

الجماهير المجرمة

هناك الجماهير المجرمة، والتي  تتميّز بما يلي:

قابلية التحريض.

السذاجة وسرعة التصديق.

الحركة والخفة.

المبالغة في العواطف.

تبدي بعض الأشكال الإخلاقية.

القناعة بأن ما تفعله من قتل وسجن أو تعذيب، هو واجب وطني.

هيئة المحلفين

تبيّن أن القرارات الصادرة عن هيئة المحلفين، سواء كانوا من أصحاب الفكر، أو تجارا وأميين، متشابهة. حيث جميعهم يتأثرون بشكل كبير بالعواطف، وبشكل أقل بالمحاكمات العقلية. كما يتأثروا بالهيبة والشخصية، فاسم المحامي وعائلته يشكل دعم كبير لدفاعه. وبالنسبة أيضا لشهرته وصيته وثروته. والمحامي الناجح، هو من يؤثر على المحلفين.

الجماهير الانتخابية

تتأثر الجماهير الانتخابية بالقادة. والمرشّح الناجح، هو من يملك الهيبة، من ثروة وغنى، لا عبقرية وفكر. كما عليه تملّق المنتخبين، والإيحاء بأنه سيحقق لهم أطماعهم ورغباتهم من خلال إصدار أكبر عدد من الوعود. وعليه أن يعد بالإصلاحات لما لها من تأثير قوي على الناخبين.  كما عليه استخدام الشعارات، وأن يملك موارد مالية.

المجالس النيابية

تشترك المجالس النيابية في صفات الجماهير من حيث المبالغة في العواطف، وسرعة الغضب والتحريض. ولكن فيها خصائص متميزة، مثل التبسيطية في الآراء، حيث يحلون المشاكل الاجتماعية الأكثر تعقيدا باستخدام  المبادئ التجريدية الأكثر بساطة، والقوانين العامة، – وهذا ما حذّر من كتاب التفكير المستقيم والتفكير الأعوج، الذي رأى أن على هؤلاء أن يكونوا من مشجعي الناس والخطباء، لا لإدارة شؤون العامة -. كما أن العدوى فيها والتحريض محدودة، لأن كل نائب له آراءه الثابتة والراسخة، والتي لن تزعزعها أية مناقشة عقلانية.

لا يمكنك نسخ النص!