مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

ردد هذه الجملة 100 مرة يوميا بيع وهم السعادة والثراء مقالات رئيسة التحرير إشراق كمال عرفة مجلة فوياج الإلكترونية
مقالات

ردد هذه الجملة 100 مرة يوميا – بيع وهم السعادة والثراء

شارك هذا المنشور
ردد هذه الجملة 100 مرة يوميا بيع وهم السعادة والثراء مقالات رئيسة التحرير إشراق كمال عرفة مجلة فوياج الإلكترونية

بقلم إشراق كمال عرفة – رئيسة التحرير

مَن منا لا يريد السعادة والثراء في هذه الدنيا؟ وخاصة في ظل انتشار العوز والبطالة والطبقية بين الناس. لكن للأسف أصبحت هذه الغاية وسيلة لدى إحدى الفئات من أجل بيع وهم الثراء السريع، ونهب جيوب الحالمين بالسعادة، ومآرب أخرى. لقد بدأت تظهر الكثير من الدورات التي تعد الإنسان بالتغيير السريع، من خلال علوم مستجدة لا أساس لها. وكان أن تمّت دعوتي للاشتراك في أحدها.

دعوة

في أحد الأيام، وصلتني دعوة للتعرّف على إحدى الدورات التي تساهم في رفع مستوى الوعي لدى الإنسان بهدف تحقيق التغيير الذي يريد بكل “يسر وسهولة”. ترددت بداية لانشغالي في عدة أمور، ثم قلت لنفسي، عليّ أن أجد الوقت للتعرّف على ما هو جديد. فقمت بالاشتراك في المجموعة الخاصة بالدورة على تطبيق الواتساب، والتي تم إنشاؤها من قبل المدرّب، وذلك لتعريفنا على هذا “الوعي” الجديد!

ملفات صوتية

مضت عدة أيام قبل أن يقوم المدرّب بإرسال لنا نبذة تعريفية عن الدورة، من خلال إرسال ملفات صوتية. أزعجني ذلك نوعا ما، فأنا أفضل القراءة السريعة لا أن يتم حجزي في تلك الملفات. مرة أخرى، قلت هذا تحدٍّ آخر يتعلق بإدارة الوقت. تمكّنت من تخصيص نصف ساعة في صباح اليوم التالي حتى أتمكن من الاستماع إليها.

القيم الإسلامية

تفاجأت بأن الدورة في صلب القيم الإسلامية. حيث كان المدرّب يربط الكثير من أفكار الدورة بدورنا في الوجود، وموقفنا من الحياة بآيات من الذكر الحكيم، وتارة من قصص الأنبياء والسنة النبوية الشريفة. جذبني ذلك أكثر إلى الدورة، وزادت عندي الرغبة بالتسجيل فيها، كما شجعني على الاستمرار في الاستماع للمزيد من تلك الملفات الصوتية.

ردد هذه الجملة 100 مرة في اليوم

في أحد الملفات الصوتية، أفاد المدرّب بأنه من المهم والأساسي جدا أن نقوم بترديد جملة محددة 100 مرة كل يوم. الجملة ليست من القرآن الكريم ولا من الحديث الشريف، وليست حتى بأي نوع من الذكر والدعاء لله تعالى. هي تصريح لنفسك بقدرتك على الحصول على كل ما تريده بكل يسر سهولة. وجدتها تافهة وسخيفة، وبدأ الشك يسري في قلبي. هل علي ترديدها فعلا حتى أحصل على التغيير الذي أريد؟ ألا يكفي أن نعقل ونتوكل؟ لا! عليك بترديدها، حتى أن المدرّب سألنا في اليوم التالي من قام بذلك!

اسألي نفسك

لم أتردد بأن أرد عليه بأن مشاغل الحياة منعتني من ترديدها، ليسألني المدرّب أمام المجموعة، هل هو حقا هذا هو السبب؟ وجدت في سؤاله نوعا من الوقاحة، لأرد عليه إن كان هو من يرى سبب آخر، هنا تجاهل الأمر وتهرّب وقال أنه أنا من عليّ أن أتحرّى الإجابة بسؤال نفسي ذلك! ما هذا الهراء؟ على أي حال، قام المدرّب بإرسال موعد لعقد الدورة لمن يود المشاركة فيها، وتفاجأت بأن قيمتها حوالي 360 دولارا أمريكيا لثمان ساعات فقط. والغريب أنه لم يذكر الموقع بالتفصيل، فسألت عنه، لتردني رسالة على الخاص بذلك.

لماذا التخفي؟

هنا بدأ الشك مرة أخرى يستحوذ على قلبي! بداية ترديد شيء بعيد عن الذكر مئة مرة يوميا، ثم السعر المبالغ فيه للدورة، وأخيرا عدم ذكر الموقع بالتفصيل. فسألت المدرّب على الخاص، لماذا هذا التخفي بعدم ذكر تفاصيل موقع الدورة؟ أجاب جوابا غير مقنع: “أنا لا أتبع الغير، أنا أتبع الوعي”! هل برأيكم هذا جواب شاف وواف؟ أنا أعلم أن كافة الدورات تقريبا، المهنية والموثوقة، تذكر كافة التفاصيل في الدعوة، من الاسم والتكلفة والوقت والموقع.

أين التغيير؟

لأقطع الشك باليقين، تواصلت مع صاحبة الدعوة. وسألت رأيها في الدورة، لأتفاجأ أنها أخذت الدورة ثلاث مرات! وجدت ذلك دليلا آخر على أنها دورة “وهمية” لا تقدّم علما نافعا، فسألتها مرة أخرى لأتأكد: “ما هي التغييرات التي حصلت في حياتك بعد الدورة؟” أطالت في الكلام، ولم أرَ فيه أي تغيير حقيقي؛ لم تخبرني مثلا عن ارتفاع رصيدها البنكي، أو زيادة في قوتها ونشاطها، أو تحسّن علاقاتها مع الآخرين، أو حصولها على الفرصة التي حلمت بها، ولا حتى شفاؤها من مرضها، ولا أي من التغييرات التي وعدت بها تلك الدورة.

نهب الجيوب فقط

بعد عدة أيام، أرسل المدرّب موعدا لدورة أخرى في العاصمة، هنا انتهزتها فرصة وسألته: “ما هي التغييرات التي حصلت لمن اشترك في الدورة؟” لأتفاجأ بهراء آخر: “ليس عليك أن تشتري وجهات نظر الآخرين. اسألي نفسك: ما الذي سأستفيد منه إن أخذت هذه الدورة”. دليل آخر على الوهم الذي تبيعه. لو حقا تحقق التغيير الذي تعد به المشاركين، لتابعت معهم على الأقل ما حققوه بعدها، لكنه من الواضح بشكل جلي أن همّها نهب الجيوب فقط، وأن هذه الدورة لا تهتم حقا بالتطوير والتغيير الذي تتغنى به.

الأنا

مما لفت نظري أيضا في هذه الدورة، هو تشجع المشترك على إشباع نواقصه، وبأن يكون الأفضل في كل جانب، من حيث الجمال والشباب والثراء وامتلاك مختلف الأشياء. فلم أجد مثلا التشجيع على مساعدة الآخرين، صلة الرحم، الصدقة، وكلها أسباب حقيقية وجوهرية للنجاح وللرزق. (لمزيد من التفاصيل هنا).

مآرب أخرى

كما تشجع الدورة على ترديد جمل لا علاقة لها بالذكر. وكأنها محاولة لطمس الدين وعزله عن الحياة. وإن كان هدفها الحقيقي ذلك، وهو أمر لا أستبعده، فهي إشارة خطيرة جدا على حجم الهجمة على ديننا الإسلامي في هذا الزمان.

احترس من الوعود الزائفة

بالنهاية، كتبت هذه المقالة لتكون رسالة لكل شخص بألا ينخدع في تلك الدورات. لا حقيقة لثراء سريع ولا لسعادة دائمة. قال تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ”؛ فالإنسان يعاني في هذه الحياة لتحقيق الرزق والمراد. كما لا حاجة لأي إنسان أن يدفع أي مال أو استخدام أية وساطة للتقرّب إلى الله تعالى، وسؤاله خزائنه في الدنيا والآخرة. قال تعالى: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”. فاستقم، تستقم حياتك.

للاطلاع على المزيد من مقالات رئيسة التحرير، من هنا.

لا يمكنك نسخ النص!