مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

الحج: تراث سيدنا إبراهيم الرائع

الحج مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في أغسطس 10, 2019

بقلم الدكتور سيد بشير كشميري – أستاذ مساعد بجامعة نزوى في سلطنة عُمان

في كتابه (في تاريخ العرب) In the History of Arabs، كتب فيليب هيتي: “خلال العصور، استمر الحج ليكون بمثابة التأثير الموحّد والرئيس في الإسلام. كما أنه الرابط الأكثر فعالية بين المؤمنين من مختلف أنحاء العالم. وفرض على كل مسلم قادر السفر لمرة واحدة فقط في حياته. وبالتالي، فإنه ليس من المبالغة الإقرار بمدى التأثير الاجتماعي لمثل هذا التجمّع، بين الأخوة المؤمنين والقادمين من كافة أرباع الكرة الأرضية “.

مزج للأعراق

ويضيف الكاتب إلى أن الحج يعمل على مزج الأعراق. فتجد هناك حجيجا من السود والبربر والفرس والصينيين والأتراك والعرب، الأغنياء منهم والفقراء، يجتمعون في مكان واحد. وذلك للتآخي واللقاء على أساس الإيمان المشترك . ومقارنة بكافة ديانات العالم، من الواضح أن الإسلام قد حقق أكبر قدر من النجاح في هدم حواجز العرق واللون والجنس.

قصة الحج

وفقا للأمر الإلهي، انطلق سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من مدينة الخليل إلى وادي مكة، وذلك قبل حوالي 4000 عام. وكانت معه زوجته هاجر، وابنهما حديث الولادة إسماعيل. وفي مكة نادى إبراهيم ربه: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) ) – سورة إبراهيم. واستجاب الله تعالى لنداء إبراهيم: “وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)” – سورة الحج.

الانحراف عن تقليد إبراهيم

منذ ذلك الحين، بدأت الناس، تتدفق إلى مكة من كل فج عميق لإحياء تقليد سيدنا إبراهيم، والذي بنى الكعبة لعبادة الله وحده لا شريك له. ولكن لاحقا، انحرفت الناس عن أصل التقليد، لتصبح مكة مكانا للوثنية ولصور العديد من الأصنام. فجاء الرسول محمد – صل الله عليه وسلم- وبتكليف من الله لإعادة إحياء تقليد سيدنا إبراهيم. واستغرق منه الأمر 23 عاما من نبوته لتحقيق ذلك.

تطهير مكة

بعد أن هاجر سيدنا محمد – صل الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة هربا من اضطهاد قومه من المشركين، عمل على تأسيس مجتمع قائم على الإيمان بالله الواحد. ثم عاد إلى مكة منتصرا في الثامن من الهجرة، ما يقارب سنة 632 ميلادية، وحررها من الوثنية، وأعاد الكعبة إلى سبب بناءها، لعبادة الله وحده لا شريك له. وفي حجة الوداع، قام سيدنا محمد – صل الله عليه وسلم- بحجته الأخيرة وفيها ألقى خطبة الوداع.

خطبة الوداع

وفيما يلي نص خطبة الوداع:

الحمدُ لله نحمدُهُ وَنَسْتَعِينُه، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سيّئآتِ أعْمَالِنَا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضَلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ . وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحْده لا شريك له، وأنّ محمداً عبدُه ورسولُه. أوصيكُم عبادَ الله بتقوى الله،وأحثّكم على طاعته! وأستفتح بالذي هو خير. أَمَّا بعد، أيّهَا النّاس، اسْمَعُوا منّي أُبّينْ لَكُمْ، فَإنّيَ لاَ أَدْرِي، لعَليّ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامي هَذَا، في مَوْقِفي هذا، أَيُهَا النَّاس، إنّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَليكُمْ حَرَامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِ كُمْ هَذَا في بَلَدِكُم هَذَا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها، وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، و قضى الله أنه لا ربا ، وإن ربا عمي العباس بن عبد المطلب موضوع كله وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم عامر ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية ، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قَوَدٌ ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية.
أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض و﴿ إِنَ عِدَّةَ الشهور عند اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً ﴾ منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس ، إن لِنسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حقاً، ولَكُمْ عَلَيْهِنّ حقّ، لَكُمْ عَليِنّ ألا يُوطْئنَ فُرُشَكُمْ غيرَكم وَلا يُدْخِلْنَ أحَداً تكرَهُونَهُ بيوتَكُمْ، ولا يأتينَ بِفَاحِشَة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي ، أَيهَا النّاسُ، إنّما المُؤمِنُونَ إخْوةٌ ، فَلاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ، أَلاَ هَلْ بلّغْتُ، اللّهُم اشْهَدْ، فلا تَرْجِعُنّ بَعْدِي كُفاراً يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رقابَ بَعْض فَإنّي قَدْ تَركْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذتمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، كِتَابَ اللهِ وَ سُنَّة نَبيّه ، أَلاَ هَلْ بلّغتُ، اللّهمّ اشْهَدْ.
أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ، أَلاَ هَلْ بلَّغْتُ، اللّهُمّ اشهد” قَالُوا: نَعَمْ قَال: فلْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ والسلامُ عليكم ورحمة الله!

معان أخرى للحج

في كتابه الحج، يرى الكاتب المشهور علي شريعتي في الحج، أنه نوع من تطوّر الإنسان إلى الله، وبأنه عرض رمزي لفلسفة خلق آدم. ويتزامن مع الحج أشياء كثيرة، فهو عرض للتاريخ وللإبداع وللوحدة وللأيدولوجية الإسلامية، وعرض للأمة، كلها بنفس الوقت.

 أبرز شعائر الحج

يقضي الحجاج بضع ليال في منى، ثم يصبحوا جزءا من بحر كبير يقف في عرفة. والتضرع هناك مع المؤمنين من مختلف الألوان والأعراق. وبعد أن استثمر الحاج ماله وجهده في الحج، يتوق الآن إلى رجم إبليس. كم نرى الآن حجيجا سابقين يحنون إلى قضاء الليل في المزدلفة لتقديم الذبيحة في منى. ثم التحلل من الإحرام بحلق أو تقليم للشعر، في إشارة إلى نبذ الخطيئة والتعهد بالبدء من جديد. كما ولدتم أمهاتهم. ثم يتطلع الحجيج إلى طواف الإفاضة، مع مشاعر مختلطة من الفرح والحزن على اضطرارهم لترك الوسط الروحي للأرض المقدسة. وهناك من يحالفه الحظ بزيارة المدينة المنورة، للسلام على مرقد الحبيب المصطفى محمد – صل الله عليه وسلم-.

لماذا تهوى القلوب إلى مكة؟

يكتشف المتأمل في الحج، أن القوة التي تدفع بملايين المسلمين للإنطلاق إلى مكة في كل عام، هو الولاء لإرث سيدنا إبراهيم، والذي كرّسه الرسول محمد – صل الله عليه وسلم- في مجتمع التوحيد الذي أسسه. فهو لم يعمل على تطهير مكة من الوثنية فحسب، وإنما أسس حرية الإنسان وكرامته أيضا. وبالرغم من أن الحج هو الفريضة الخامسة للإسلام، إلا أنه إلزامي على من يتمكن من تحمّل نفقاته. وبالرغم من ذلك، نجد أنه وعبر العصور، تهوى الملايين من القلوب إلى مكة. فنجد الرجال والنساء يدخرون نفقات الحج لسنوات عدة، مع تركيز نظرهم على اللحظة التي يتركون فيها كل شيء خلفهم، ويسيرون باتجاه مكة، ليحققوا الحلم بالنظر إلى بيت إبراهيم المقدّس، وليكونوا من ضمن أمواج البحر البيضاء من الحجيجين يرددون: 

لبيك اللهم لبيك

لبيك لا شريك لك لبيك

إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك

إنه توق للتدفق في المد بين المصلين الذين يطوفون حول الكعبة، وتلهّف لتقبيل الحجر الأسود، وشغف يملك كل أم وأب في السعي بين تلال الصفا والمروة، في تقليد هاجر وما خالجها من مشاعر القلق والتزامها بالأمر الإلهي في ذات الوقت. وحينها نعلم سبب تكريم الإسلام للمرأة بهذا الشكل. وفي الحج، نجد رغبة الحاج الملحة لشرب مياه زمزم وللسجود أمام البيت العتيق الساحر سجدة يبث فيها كل ما يخالجه من دعاء وابتهال.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية

اقرأ أيضا