مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

شارك هذا المنشور

الأفضل مبيعا: توماس جيفرسون، فون برودي

تم النشر في يونيو 30, 2019

تمهيـــد

تم نشر الطبعة الأولى من هذا الكتاب في عام 1974. ولم تدرك الكاتبة أنه سيصبح من أفضل المبيعات وطنيا كونها ماتت في التسعينات من القرن الماضي. فبالرغم من وجود الكثير من الكتب حول حياة جيفرسون، إلا أنه تميّز بذكر أمور جديدة عنه؛ كعلاقاته مع النساء. إذ سلطت الكاتبة الضوء على علاقة جيفرسون مع خادمته الإفريقية سالي هيمنغز المثيرة للجدل. فالرجل ليس بملائكي أو شيطاني وإنما شخص متميز. أما السبب الثاني لنجاح هذا العمل فهو تميّز أسلوب الكاتبة في سرد أحداث حياته. والسبب الثالث هو تخصصها في كتابة السير الذاتية، وتأثرها بنظرية علم النفس. فكان أن حللت شخصية جيفرسون بأبعادها النفسية المختلفة. أما السبب الرابع والأخير، فهو تميّز العمل من ناحية الإبداع والتحرّي والدقة والصدق في كشف الحقائق والمعلومات.

شخصيته

توماس جفرسون شخصية محبوبة ولطيفة. وكان شديد الذكاء ومحبا للمعرفة. طوّر نفسه من خلال قراءة الكثير من الكتب. ويملك شغفا في الكتابة والبحث والتقصي عن المعلومات. كما أنه دقيق ويراعي تسجيل التفاصيل. تماما كما فعل بما يتعلق في كتابه المزرعة The Farm Book. وفيه ذكر أسماء عبيده وأعياد ميلادهم، إضافة إلى مواسم الخضراوات والفاكهة؛ متى تبدأ ومتى تنتهي. كان اجتماعيا ولباسه جيد وعنده نهم للكتب. أنشأ مكتبة مشابهة لتلك الخاصة بالكونغرس. ولم يكن متحدّثا جيدا. إذ كان صوته منخفضا في الخطابات على خلاف عبقريته في الكتابة والتي ظهرت بكتابته لإعلان الاستقلال الأمريكي.

عانى من مشكلة القوة والسيطرة كونه تحمّل مسؤولية بيت العائلة  دون حق في اتخاذ القرارات لصغره. ولم يملك من يساعده من الأصدقاء والأوصياء لتوجيهه. وفي رسالة إلى أحد أحفاده، أفاد جيفرسون خطورة ترك الأطفال دون أي توجيه وإرشاد.

تمكّن من تجنّب المشاكل والانحرافات في صغره لملاحظته القوية ولذكائه. فقد كان يراقب الّلاهين ويتفكّر بما يريد أن يصبح؛ لاه أم بطلا. كوّن لاحقا مجموعة من الأصدقاء الأقوياء والتي أصبحت فاعلة عندما وصل إلى عمر 27 عاما، مما ساعده على بناء شخصية مميّزة. نذكر منهم أستاذ الفلسفة الطبيعية وليم سمول في كلية وليم وماري، وأستاذ القانون وصديقه جورج ويث، وبيتون راندولف الناشط في السياسات الثورية. مما يبين أهمية الصحبة الصالحة التي أوصى بها الرسول الكريم – صل الله عليه وسلم-.

ميوله السياسية

انتمى جيفرسون للحزب الجمهوري الديمقراطي، ومقت مبادئ ألكساندر هاميلتون المسؤول عن الحزب الفيدرالي. فقد  رأى أن في النظام المالي الذي وضعه في عهد جورج واشنطن انهيار للدولة.

والده

والده هو بيتر جيفرسون، وهو من أصل بريطاني من سنودون. كان رجلا ضخما وذو قوة كبيرة. انتقل والده إلى فيرجينيا وكان ثريا لعمله في تجارة العبيد حينها، فكان يملك مئات العبيد وتمكّن من دفع مهر أمه البالغ 200 جنيه.

 علّم ابنه توماس جيفرسون ركوب الخيل عندما كان في عمر العشر سنوات. وكان لا يحب استخدام القوة حتى مع عبيده الذي كان منتشرا حينها ضربهم بالسوط. ومنه تعلّم جيفرسون حسن معاملة الآخرين. وأحضر بيتر معلما لأطفاله، إلّا أنّه فضّل تعليم جيفرسون بنفسه عن بقية إخوته لما رأى فيه من تميّز منذ صغره. وأوصى باعطائه أدوات الحساب الخاصة به بعد موته، إضافة إلى مكتبته وجميع كتبه. أما البيت فكان من نصيب والدة جيفرسون بحسب وصية والده.

وبالرغم من عدم ذكر جيفرسون للميول السياسة لأبيه، إلّا أنّه كان ديمقراطيا وناشطا وصديقا للهنود الحمر. وكان يرسم الخرائط. فقد تمكن والده وبالتعاون مع جوشوا فراي من رسم خريطة فيرجينيا وأجزاء من بينسلفانيا وكارولاينا الشمالية ونيوجيرسي والتي تم اعتمادها رسميا لسنوات، ثم تم نشرها في لندن عام 1751. فتعلّم من والده ذلك، ورسم بنفسه خريطة فيرجينيا. 

وعند موت والده، ترك له مسؤولية رعاية أمه وخمسة بنات وأخ واحد. كونه كان الأكبر حينها.

والدته

أما أمه فهي جاين راندولف. واسم أبيها إيشام راندولف. إنجليزية الأصل من لندن، ولدت عام 1720. وهي البكر من بين 11 ولدا. تزوجت والده عندما كانت 19 عاما. ولم يذكرها جيفرسون بشكل كاف في رسائله لتتبين طبيعة علاقته معها كغيره من الرؤوساء. وعلل هنري راندال أحد المؤرخين أن سبب ذلك هو خجله الذي منعه من ذكر النساء في عائلته بكتاباته. إلا أنه كان يكنّ لها الحب والاحترام. وبيّنت الأخبار الأخرى عنها أنها كانت مسالمة ولطيفة المعشر ومضيافة.

وتقول إحدى التعليلات الأخرى، أن سبب عدم ذكرها بشكل كاف في كتابات جيفرسون هو تلفها في الحريق الذي شب في منزلها في شادويل عام 1770، والذي أتلف أيضا كافة الكتب والرسائل في ذلك الوقت. إلا أن ذلك غير مؤكذ كونها عاشت بعد ذلك 6 سنوات وكان يعيش وقتها في ويليمزبيرغ في فيلادلفيا، ولم يظهر لها أي أثر في كتاباته في تلك الفترة.

وعلل البعض الآخر إلى أن سبب اختفاءها من كتاباته هو عدم وجود أي تأثير لها عليه. إلا أن الكاتبة ترى عكس ذلك تماما. فهناك أثر كبير لأمه على حياته كحال جميع الأمهات على أبنائهم.

وكان أن ذكرها مرتين فقط في كتاباته: الأولى عندما أرسل لعمه ويليام راندولف في إنجلترا خبر وفاتها، وعندما وصف لصديقه جون الحريق الذي دمر منزلها. وفي خبر الحريق، وصف أيضا خسارة كتبه ورسائله وملاحظاته.

توفيت والدته بعد 6 سنوات من واقعة الحريق وبعمر 57 عاما في مارس، وكان هو حينها في الـ 33 من العمر. وهي الفترة التي بدأت تنتابه أوجاع في الرأس. كما وكان قد بدأ ببناء منزله في مونتيسلو الذي أنهاه في عامين. وبعد أن توفيت والدته، ترك جيفرسون العمل في السياسات الثورية، وتوقف عن أداء مهامه في المؤتمر القاري حتى ثلاثة أشهر. ويعلل البعض سبب ذلك إلى معارضة والدته لنشاطه السياسي.

طفولته

في عمر السنتين، انتقل جيفرسون مع والديه وباقي أشقائه للعيش في توكاهو سنة 1745. وذلك بناء على وصية صديق والده ويليام راندولف. إذ توفيت زوجته وتركت له ابنتين وولد. وكان مريضا، فطلب من والد جيفرسون في حال موته أن يجمع أبنائه مع عائلته. ووافق والد جيفرسون على ذلك. عانى جيفرسون في العيش مع أولاد صديق والده. إذ كان يتعرض للتنمّر كونهم أكبر منه.

عاشر العبيد السود. وأنشا منهم صداقات من كلا الجنسين. وشهد إعدام إحدى الخادمات السود حرقا لاتهامها بتسميم سيدها. وأدرك جيفرسون سيطرة العرق الأبيض ونفوذه على العرق الأسود حتى وإن كان طفلا. فشعر بالتمييز بين اللونين. كما شعر بالعنصرية ضدهم في منعهم من التعلّم في المدرسة. فكره أن يدرس بينما أصدقائه العبيد لا يدرسون. وهذا ما جعله يدرك لاحقا أهمية مساواة التعليم لهم. إذ نادى بالتعليم المجاني للشباب من السود حتى عمر 21 وللبنات حتى سن 18. إضافة إلى تحررهم وعيشهم في مستعمرات خاصة مع إمدادهم بوسائل العيش المطلوبة ليتمكنوا من العيش بكرامة.

دراسته

عندما أصبح جيفرسون بعمر 9 سنوات ترك توكاهو. واشترى أبيه اسطبلا ومزارع للتبغ والكثير من العبيد، وأدخله كنيسة دوفر التي تبعد 5 أميال عن توكاهو. وفيها تعلّم اللاتينية واليونانية والفرنسية. وقضى فيها 5 سنوات. وفي هذه الفترة لم تظهر أي رسائل بينه وبين أهله. إما بسبب تلفها في الحريق الذي شب بمنزل والدته، أو عمدا تم التخلص منها. وفي الكنيسة شغف باللغة اليونانية وأتقنها. وقرأ تاريخ اليونان وكان معجبا بالقصص الكلاسيكية ومتأثرا بها؛ مثل قصة جايسون والمغامرون. والتي منها أطلق اسم (أدوناس) في وصف قادة الثورة، و(أرغو) رمزا للأمة. ثم انتقل إلى مدرسة فيدريكس فيل. وفيها كان يقضي خمسة أيام أسبوعيا. وفي عمر 19، تمكن من بناء قارب للإبحار على نهر فيرجينيا. واستخدمه في رحلته العلاجية إلى إنديابولس في فيلادلفيا ونيويورك للعلاج من مرض الجدري.

ومن الأساتذة ممن تأثر بهم في كلية وليام وماري، بروفيسور الحساب ويليام سمول اسكتلندي المنشأ. وذكر أنه عالم في العلوم والحساب، ويملك القدرة على التواصل مع الآخرين. إضافة إلى أنه ذو أخلاق عالية. وكان يجتمع معه خارج أوقات الدراسة. ومنه طوّر نظرته في العلوم. وأطلق عليه الأب الأول. أما الأب الثاني، فهو جورج ويث؛ أستاذ القانون ومعلمه وصديقه مدى الحياة. وهو محام مرموق في فيرجينيا، وافق على تعليم جيفرسون رغم أنه كان بعمر الـ 19 عاما في حينها.

وكان كل من سمول وويث من جامعي الكتب. وامتلك جيفرسون كُتيّب صغير، سجّل فيه الأقوال والحكم المأثورة. – وهذا ما عكسه كتاب (القيادي الملهم) حول أهمية أن يملك القيادي معرفة واسعة وبشكل أكبر من الآخرين.-

وكان جيفرسون يدرس ويقرأ بكثرة في القانون والكلاسيكيات القديمة والفلسفة السياسية العامة والأدب الإنجليزي. وكان يحب الموسيقى والغناء. وجلب فرانسيس البيرتموس، الموسيقية الإيطالية لتزيد مهارته في العزف على الكمان.

مهنته

زاول جيفرسون مهنة المحاماة رغم كراهيته لها. وبعد سبعة سنوات من مزاولتها والترافع في 941 قضية، تركها لممارسة السياسة. وكان متحمسا وسعيدا بذلك. واستمر في القراءة والاهتمام في الموسيقى وفي زراعة حديقة منزله.

موقفه من الكنيسة

عاش جيفرسون في بداية حياته مع جيمس موراي وهو قس من أصول ملوكية فرنسية. وكان يؤمن باستناد النظام السياسي على الإنجيل. وعارضه جيفرسون في ذلك. فعندما نشط سياسيا، كان من ضمن أهدافه القضاء على تلك الكنيسة وتحويلها إلى مدرسة عصرية تُدرّس العلوم والحساب. إضافة إلى منعها من التدخل في السياسة، والفصل التام بين الدين والدولة.

حياته مع النساء

يهوى جيفرسون المرأة اللطيفة الأنثوية. وظهر ذلك في رسالته لابنته مارثا عندما تزوجت. وفيها قال أن عليها تسخير نفسها لإسعاد زوجها، الرجل الوحيد في حياتها، وتبقى باقي الأمور ثانوية حتى والديها. كما أنه كان يرفض أن يرى المرأة تعمل في السياسة كونه ليس من شأنها، وذلك برسالة عندما كان في فرنسا وقت الثورة الفرنسية.

وقع في الحب مرات قليلة. وكان أول حب له عام 1762 عندما كان في عمر 19 وكانت هي يتيمة بعمر 16. وكان يراسل صديقه بيج عنها باسم مستعار. واسمها الحقيقي ربيكا بورويل. وتأثر بها جدا بحيث كتب لصديقه أنه قلق من حبه لها لما فيه من تأثير على عقله وتشويش لفكره. راقصها في إحدى الحفلات، ولكنه كان خجولا معها، حتى أنه لم يعرف كيف يراقصها.

ثم طلب من صديقه التواسط له لدى عمها للتمهيد لموضوع الزواج منها. ويظهر أن والدته لم ترغب بها زوجة، لذلك طلبت منه الإبحار بها إلى انجلترا في رحلة لمدة شهرين على متن قاربه الذي أسماه ربيكا. ويظن البعض أن رحلته كانت حجّة للتهرّب من العلاقة فخسرها. وقال آخرون أنه لم يكن جذابا حينها، فتزوجت غيره من عائلة آمبر، وأنجبت منه ابنتان. إحداهما كتبت رسالة استهزاء به، والأخرى تزوجت جورج مارشال الذي أصبح من ألد أعداءه السياسيين.

وبعد غدر حبيبته كره النساء. ثم تزوج مارثا ويلز سكيلتون عام 1770 التي وقع في حبها، وكانت مغنية وأرملة صديقه باث سكيلتون. والذي دام زواجها منه  22 شهر، وكان لها ولد منه. وتم وصفها بأنها جميلة وبشعر أحمر رملي، وطويلة القامة، وعيناها لوزيتان. وكانت حسنة التعامل مع الجميع ومع العبيد. وكانت مهتمة بشؤون المنزل. وكان جيفرسون زوجا محبا ومخلصا لها.

بعد أن ماتت زوجته لم يتزوج جيفرسون مرة أخرى. ولكنه وقع في حب ماري كوسويل وهي بريطانية إيطالية متزوجة. ولم يدرك المؤرخون إن كان إعجابا أو تطوّر لعلاقة. ولم ترتكب معه الزنا لالتزامها الديني. وتمكّنت لاحقا من بناء مدرسة للراهبات في إيطاليا بعد موت زوجها. وأبقى جيفرسون على الرسائل المتبادلة بينهما رغبة منه في تخليد التاريخ لعلاقتهما. وكتب لها رسائل غرامية مشهورة باسم My Head and My Heart. وفيها حوار بين عقله وقلبه أي ماريا، وكان يرسلها عبر وسيط هو جون تومبل لشكه بقراءة مكتب البريد رسائله، ولحمايتها من زوجها. وانتهت علاقته معها في ديسمبر 1787 لأنها كانت متشوشة من هذه العلاقة وغير راغبة في ارضاءه. إلا أنهما تراسلا بين الحين والآخر بعد ذلك.

ثم أقام جيفرسون علاقة مع خادمته السوداء سالي هيمنغز عندما كان في فرنسا. وهي الأخت غير الشقيقة لزوجته. فأمها هي بيتي هيمنغز عشيقة جون ويلز والد زوجته. وعندما مات أوصى بعبيده لابنته مارثا، ومنهم كانت بيتي وابنتها سالي. وكانت هذه العلاقة محرّمة. كونها في زمن لا يسمح فيه الاختلاط بين السود والبيض. وأنجب منها أربعة أبناء.

بيته

طمح جيفرسون إلى الكمال عند بناء منزله في مونتيسلو. وكان مفتونا بالتفاصيل لدرجة انه أعاد بنائه. وكان قطعة من الفن الأصيل. وزرع في حديقته مختلف أنواع الفاكهة. وأحضر حيوانات برية كالغزلان. وهو الآن من أبرز المعالم السياحية في فيرجينيا.

العبيد

عارض جيفرسون الاتجار بالعبيد. وكان معروف عنه معاملته الحسنة لهم. وفي عام 1769 بدأ بمشروع لتحريرهم، وهو أول قانون تشريعي وضعه في عمر 24 عاما. إلّا أنّه تم رفضه.

وكان قانون فيرجينيا يمنع تحرير العبيد وقتها إلا بحالة أمر من المحكمة. فكان رأي جيفرسون أن هذا الحق يجب أن يُمنح للمالك ولسكّان فيرجينيا. وكان قد رافع في قضية تخص ابنة عبدة سوداء من رجل أبيض لتكون حرّة، معللا أن الجميع يولدون أحرارا. وهي الجملة ذاتها التي ظهرت في وثيقة الاستقلال. – وهي التي كان أن ذكرها الخليفة الخطّاب رضي الله عنه بقرون.-

حالته الإقتصادية

كان جيفرسون غنيا بعد وفاة والده. فقد ورث عنه 135 عبدا و11 ألف هكتارا، إضافة إلى ما كان يملكه بداية من 5 آلاف هكتارا و50 عبدا. وكان أن باع نصف الـ 11 ألف هكتار ليسدد ديون زوجته التي كانت وقتها أكثر من ثلاثة آلاف باوند. واضطر إلى أن يسددهم مرتين، لأن مكتب أراضي فيرجينيا رفض العملة البريطانية، فاضطر إلى الدفع بالعملة الأمريكية.

وبدأت تتردى حالته المالية بعد تبذيره على منزله من ناحية، ومن ناحية أخرى لصرفه أكثر من راتبه. فقد كان حريصا على أن تكون قائمة طعامه من أشهى المأكولات الفرنسية الفاخرة، إضافة إلى خمر مسقط الفرنسي. كما عمل على شراء أثاث منزله من فرنسا وشحنه إلى منزله في مونتيسلو. وكان متأملا بتحسين حاله عند بيعه لأرض التبغ.

وبعد تقاعده من وزارة الخارجية، قرر بناء مصنعا لانتاج ما يساوي 10 آلاف مسمارا في اليوم. إلّا أنّ إنجلترا دمّرت عمله ببضائعها الرخيصة.

ثم عمل على زراعة 10 آلاف هكتارا. ولكنه لم يعرف كيف يحمي أشجاره من المطر الغزير. فكان أن غرقت أشجار البرتقال والزيتون التي أحضرهما من إيطاليا، إضافة إلى غرق حقول السكر.

ومما زاد من ديونه هو رعايته لابنته مارثا وولديها بسبب مرض زوجها النفسي. وتضاعفت ديونه بسبب الفوائد.

وعند تقاعده من رئاسة البلاد، باع مكتبته الخاصة بما يساوي 25 ألف دولار،أي  بنصف قيمتها لتسديد ديونه وعاد لشراء الكتب كونه لم يتمكّن من العيش من دونها. ولم يرد بيع عبيده للمساهمة في تخفيف الديون لتعلّقه الشديد بهم. وكان يزوره الكثير من الزوار في منزله بعد التقاعد. وكان يحرص على إطعامهم، مما زاد من المصاريف التي كان يرفض أن يقللها بما يتعلق بالطعام والنبيذ. كما ورّط نفسه في توقيعه على وكالة لقرض حفيده من ابنته مارثا، بمبلغ 20 ألف دولار. فكان مسؤولا عن تسديده بعد موت حفيده.

كما سادت حالة من الذعر الاقتصادي والتي بسببها تم إغلاق بنوك فيرجينا، مما زاد من سوء حالته الاقصادية. وكان هناك تهكّم من العامة حول قدرته على تقليل الدين العام للدولة في فترة رئاسته دون دينه الشخصي.

وهناك من الديون التي رفض دفعها، وأخرى لم يرى بضرورة سدادها. إلا أنه كان يسدد المبالغ المالية التي كان يقترضها من صديقه ماديسون.

وفشل في تسديد ديونه قبل وفاته. وحرّر فقط خمسة من عبيده؛ كلهم من عائلة هيمنغز. وأبقى على الآخرين لترثهم ابنته مارثا بعد مماته.

دوره في الثورة ضد بريطانيا

كان من المستغرب لرجل عاش في أرستقراطية التفكير في الثورة ضد الإنجليز. بدأ الثورة بعمر 22 سنة عندما سمع باتريك هنري يعارض قانون الطوابع الإنجليزي الذي يفرض ضريبة جديدة في مستعمراتها بأمريكا على الصحف والوثائق الاقتصادية والقانونية. مما زاد من حنق الأمريكيين، وعملوا على مقاطعة البضائع البريطانية من العبيد والمشروب. ووصفت مذكرات جون أدامز واقعة حزب الشاي في بوسطن. والتي فيها قامت مجموعة من الأمريكيين بإلقاء الشاي من على السفن الإنجليزية في البحر كنوع من التمرد عام 1773. وكانت أن أثّرت هذه الواقعة على جيفرسون. فدعا إلى يوم للصلاة والصوم. وعمل على تحضير الوثيقة الثورية عام 1774. وبذلك بدأت شرارة الثورة، وانتشرت إلى باقي المستعمرات في أمريكا. وأكثرها كانت في كارولانيا كون الحرية لهم مطلبا وليست رغبة. وفي الثورة، رافق جيفرسون أقربائه، مثل بيتون راندولف معلمه وابن الخال الأول لأمه، وريتشارد بلاند. واتفق مع كل من جون ديكنسون وجوزيف ديكسي على أن البريطانيين بهذه الضرائب تستعبد الأمريكيين. وهذا ما أثار الانتقاد حول كيفية التكلّم عن الاستعباد وهم أنفسهم يستعبدون السود. فكان الرد أن الحكم البريطاني هو الذي يجعلهم يستعبدونهم. وأعلن جيفرسون رغبته بتحرير عبيده بعد الاستقلال. وهو الوقت الذي سيتحرر فيه من الملك جورج الثالث.

بدأ جيفرسون في القراءة والنسخ لأجزاء عن الحكومة في كتاب خاص. مثل أبراهام ستانيانز. ومن كتاب تاريخ اليونان أخذ نماذج عن المعسكرات اليونانية التي ثارت، ومن الاسكتلدنية لورد كايمو. ووجّهه كتاب لوك إلى نظرية الحقوق الطبيعية. وقرأ في عام 1759 أعمال خاصة بالتنوير. وبذلك أصبح موسوعة في التاريخ بما يتعلق بالنظام الفيدرالي. كما درس نظام الحكومة في كل من السويد وبولندا والدنمارك، وبيّن أن الاستعباد يأتي برضى الشعب والسماح للملك بذلك.  وشعر جيفرسون بسوء معاملة الإنجليز لهم وكأنهم عبيد. فالأمريكيون الآن أقوى من ذي قبل. وذلك برسالة إلى لجين بابسي الرئيس الهندي بكسكسكيا. واتفقوا في جمعية فيرجينيا على توقيع وثيقة تبين أن البرلمان يجعل الشعب الحر السعيد خدما وتعساء.

وفي عام 1774 حضر وثيقة ثورية اسم Summery View of the Rights of British America للمجلس الاقليمي كمبادرة من نفسه. وأثار سؤالا ثوريا: هل لجزيرة أن تحكم قارة؟ وفي هذه الوثيقة طلب ان يتم حذف اسم الملك جورج الثالث من الدستور، وعدم منحه أي حق على الأراضي الأمريكية والتصرف فيها كيفما يشاء، إضافة إلى منعه من نشر الجنود عل السواحل الأمريكية، وعدم التدخل لحل الخلافات الداخلية. وأرسل نسختين إلى باترك هينري وبيترون راندولوف الذي أخذها بعين الاعتبار على خلاف الأول. ووصلت نسخة إلى بريطانيا وفيها كان اسمه  واسم جون أدامز وجون وصامويل وجون هانكوك. وتم طلب تنفيذ عقوبة الخيانة عليهم بحسب قانون الملك في 1775. وهي تعليقهم وفتح بطونهم وتقطيعهم إلى قطع ترسل للملك ليتخلص منهم كيفما يشاء.

وفي كنيسة القديسة جونز في ريتشموند. ألقى المحامي باتريك هنري خطابا في 1775 يحث على تسليح قوة من المتمردين بجملته الشهيرة: Give me Liberty or Give me Death أي أعطني الحرية أو الموت.

وتم استغلال العبيد في الثورة من قبل البريطانيين. وذلك بدعوتهم إلى التجنيد في صفوفها مقابل تحريرهم بحسب القائد دونمور. إلا أنهم كانوا يموتون. إما بسبب حمى المخيّم بعد العودة أو بسبب الجدري أو القتل أثناء المعارك. وأراد بينجامين فرانكلين محاربة هذا الأسلوب؛ فقرّرت ماساتشوتس إعطائهم الحرية وتعويض سيدهم، ووعدتهم نيويورك بمنحهم أراض كتعويض لهم. أما ميرلاند فأفادت بمنحهم الحرية بعد عام 1777. وكان أن هرب 12 عبدا من عبيد جيفرسون للمشاركة في الحرب إلى جانب الإنجليز.

وغاب جيفرسون عن الثورة أربعة أشهر كونه كان مع زوجته لمرضها. إضافة إلى مخاوفه من فشل الثورة وانهيار أسرته. إلا أنه ثم عاد بشكل قوي وكتب إعلان الاستقلال ودستور فيرجينيا.

وكان أن اختار المؤتمر الإقليمي خمس رجال في حزيران 11 عام 1776 لكتابة إعلان الاستقلال. وكان جيفرسون أفضلهم بحسب جون أدامز. وكتب جيفرسون الإعلان من روحه، وبما يعبّر عن العقل الأمريكي. وفيه هاجم الملك الثالث لاستعباد العبيد واستغلالهم في الحرب. وذكر جيفرسون أن جميع الرجال يولدون أحرارا، ولهم الحق في السعادة، وجميعهم سواسية.

وأثار نشر هذا الإعلان العديد من حركات التمرّد في الولايات الأمريكية. ففي نيويورك تحررت المناظرات من السجن. وكسرت واشنطن تمثال جورج الثالث. وحرقوه في بالتيمور، ودفنوه في سافانا. وتم تمزيق يافطات المحال التي فيها الأذرع الملكية، وحرقوها في العديد من المدن. وبهذه الطريقة أعلن الأمريكان استقلالهم واستعادة القوة من الملك.

أعماله بعد الثورة

سهّل جيفرسون استملاك الأراضي، وألغى العقوبات المتشددة في ويليامزبيرغ لمن يسرق الأحصنة، وغيرها من الجرائم الصغيرة التي كانت عقوبتها الإعدام. وعمل في التعليم من خلال تطوير منهاج كلية ويليام وماري؛ بحيث جعلها تركّز على العلوم والحساب واللغات الحديثة. وعمل نظاما لدفع الضرائب على مستوى الولاية لدعم المدراس الابتدائية والمتوسطة لكلا الجنسين. وأنشأ نظاما للمنح الأكاديمية لمن يملك مهارات عالية. وبنى مكتبة للولاية. وكانت له أفكارا عن الحرية الدينية؛ إذ برأيه أن الدين هو اقتناع بالعقل وحرية شخصية. فلا يجوز فرض أسلوب لباس على الآخر لأنه يعارض مبدءا دينيا ما، وذلك في محاولة منه للقضاء على نفوذ الكنيسة الإنجيلية. واعتبر نجاحه في ذلك من أعظم النجاحات في حياته.

حاكما لفيرجينيا

تم انتخاب توماس جيفرسون ليكون حاكما لولاية فيرجينيا في حزيران عام 1779. ونظرا لعدم امتلاكه للخبرة العسكرية أو حب للقوة، فشل في إدراتها عسكريا، مما أدى إلى اجتياح القوات البريطانية الجنوب في 1779 بقيادة بينديكيت أرنولد الذي أنصب نفسه حاكما حربيا للولاية. وهرب جيفرسون حينها على حصانه إلى جبال كارترز، مما  وصمه بالجبن طيلة حياته. ثم طلب جيفرسون الاستقالة في نهاية ولايته الثانية رغم سماح القانون له بولاية ثالثة، وذلك لمرض زوجته.

كتابه

يعدّ كتابه ملاحظات عن ولاية فيرجينيا من أكثر الكتب أهمية من الناحية العلمية والسياسية في الفترة الزمنية قبل عام 1785. وهو أول كتاب أمريكي أدبي وفكري.

بدأ جيفرسون كتابة الكتاب في أثناء ردّه على استفسارت لـ 21 سؤالا والمرسلة من العالم الطبيعي فرانسوا باربي ماربوس الفرنسي بما يتعلق بولايته فرجينيا. وبدأ جيفرسون بجمع المعلومات في نوفمبر 1780، وكانت على شكل مقالات ثم كبرت لتصبح فصولا وأخيرا كتابا. وفيه ذكر الحدود والأنهار ومرافئ البحار وعدد السكان. إضافة إلى إنتاج المعادن والحيوانات والخضراوات في الولاية، وأهمية التعليم العام وطبيعة السود، والموطن الأصلي للهنود وتعقيدات اللغة الخاصة بهم وعرف الحياة الاجتماعية السياسية لفرجينيا.

كما وصف حال ما يجب عليه أن تكون فيرجينيا وليس فقط واقع حالها. مثل التعليم والاهتمام بالزراعة ووجود دستور إصلاحي والتنمية السياسية والبشرية فيها وغيرها. واقترح فصل الكنيسة عن الدولة وإبقاء المصانع خارج أمريكا.

وفيه وصف السود بطريقة تم اتهامه بالعنصرية؛ فوصفهم بعدم امتلاكهم للذوق بالرغم من قدراتهم الموسيقية، وإمكانية حكم أنفسهم. إضافة إلى تأثرهم بالبيض، فأصبحوا بذلك أفضل حالا. وأفاد بضرورة تعليمهم وإرسالهم أحرارا إلى أفريقيا أو المسيسبي أو إلى جزر الهند الغربية.

وتمت طباعة 200 نسخة من هذا الكتاب. ورفض جيفرسون وضع اسمه عليه لئلا يتم ربطه باتخاذه للقرارات. وأرسل نسخة للكلية ويليام وماري ولأصدقائه. ثم قرر وضع اسمه عندما كتب النسخة الفرنسية عام 1785.

وزيرا في فرنسا

تم انتخابه ليكون وزيرا في فرنسا مع كل مع بينجامين فرانكلين وجون أدامز وجون جاي وجون لورانس. ولكن في 6 سبتمبر 1782 ماتت زوجته، فانقطع عن السياسة لـ 8 أسابيع. وقام مجلس الولاية بانتخابة عضوا في الكونجرس. وفي 6 حزيران 1783 أصبح رئيسا لمفوضية فيرجينيا. واصطحب معه ابنته بيتسي إلى باريس في 5 تموز 1784. وعمل على إعادة علاقاته السياسية، وإصلاح تلك مع باتريك هنري.

أحب جيفرسون فرنسا. ورأى فيها مثالا للديمقراطية. وزاد فهمه واستيعابه للأنظمة العامة المعمولة فيها، من اقتصادية واجتماعية وغيرها، إضافة إلى الأخلاقيات فيها.

كوّن أصدقاء في فرنسا واختار لافايتي صديقا مقرّبا له، وهو الذي الذي زاره لاحقا في مونتيسلو في آخر أيام عمره. أدخل ابنته بتسي مدرسة عصرية واستقر في تشامبس إليزيه. نال محبة جميع الفرنسيين لقدراته الشخصية ولمنصبه المرموق فيها.

كان متحمسا للثورة الفرنسية. إذ كره الملك لعلمه بسكره الدائم وتوقيعه العشوائي لأي عطاء يتم تمريره له. وشارك في إعلان استقلالها بكتابة دستور جديد لها. وكان رأيه أن يقبل الملك طوعا بحرية كل شيء فيها. مثل حرية الصحافة وحرية الصناعة والتجارة والرأي والتدين.

وفي إحدى مراسلاته لصديقه ماديسون قال جملة مشهورة: The earth belongs to the living, and not to the dead أي يجب تغيير القوانين ولا يجب توارث الديون. كما لا يجب السماح للأموات بالتحكّم في الأحياء. فكانت لهذه الجملة أبعادا كبيرة، من نفسية وسياسية واجتماعية.

وزيرا للخارجية

عاد جيفرسون إلى بلاده بعد خمس سنوات قضاها وزيرا في فرنسا، قبل بمنصب وزيرا للخارجية. ولم يرضى عما رآه من نظام اقتصادي تبنته أمريكا. فكان أن التقى مع جورج واشنطن في فيرمونت لمناقشة خطط ألكساندر هاميلتون؛ مسؤول النظام المالي لأمريكا. إذ انتقد أسلوبه المالي الذي رأى فيها انهيار أمريكا، إلا أن واشنطن رأى فيه أنه عبقري وبنظامه تحسنت أحوال البلاد. فأراد جيفرسون الاستقالة ثم عدل عن ذلك لاكتشاف خيانة هاميلتون بنشره لأسرار الخزينة الأمريكية إلى أروبا، وبمنحه لقروض دون موافقة الكونغرس، وبتعرضه للابتزاز بسبب علاقاته المشبوهة مع النساء. لكن تم رفض تلك التهم من الكونجرس لعدم كفاية الأدلة. وقام هاميلتون بالرد على ذلك بتشويه صورة جيفرسون من خلال الكشف عن محاولته لاستدراج بيتي والكر في صباه، وذلك بالكتابة بشكل متخف في الصحف. فاستقال جيفرسون من المكتب في إبريل 1793.

وكان أن عرض عليه جورج واشنطن العودة إلى فرنسا، فرفض عبور الأطلسي مرة أخرى. وقضى جيفرسون بعدها 3 سنوات في مونتسلو من يناير 1794 حتى فبراير 1797.

نائبا للرئيس

بعد تقاعده من وزارة الخارجية، كتب له صديقه ماديسون رغبة الحزب الجمهوري في أن يخلف واشنطن، إلإ أنه رفض ذلك. وعندما صرّح واشنطن باستحالة استلامه لولاية ثالثة، انتخب الفيدراليون جون أدامز وتوماس بينيكني. أما الجمهوريين فاختاروا توماس جيفرسون وتشارلز بينكني. ففاز أدامز وحل جيفرسون في المركز الثاني ليصبح بذلك نائبا للرئيس.

وفي هذه الفترة تضررت علاقته مع جون أدامز بعد علاقة استمرت 15 سنة. وذلك عندما أقرّ أدامز قانون الأجانب الذي يستغل قانون الجنسية. فقرر جيفرسون الاستقالة والعودة إلى مونتيسلو. وهناك كتب أهم وثيقتين: الأولى تشرح الإنجيل بشكل مبسط وتم تسميته إنجيل جيفرسون. أما الثانية فهي قرارات كنتاكي والتي كتبها سرا مع ماديسون.

رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية

تعادل كل من جيفرسون وآرون بير في الانتخابات الرئاسية. وكان من المفترض فوز جيفرسون. إذ تم التخطيط على أن يحصل بير على أصوات أقل في كل من رود أيلاند وكارولاينا الشمالية أو جورجيا. إلا أن ذلك لم يحصل. فقرر جيفرسون عدم الهرب ومحاربة حقه في الرئاسة. فهدد بتدخّل الجيش لحل المسألة. فتم عمل اقتراع وفشل. إذ حصل بير على 6 ولايات وجيفرسون على 8 ولايات. وكانت هناك ولايتان متساويتان هما ميرلاند وفيرموند.

وانتشر موضوع الرئاسة المؤقتة.  فبعث  جيفرسون برسالة إلى جيمس مونرو، أفاد فيها بنيته في تسليح الولايات الوسطى. وهدد بوضع دستور جديد فثارت شائعات على أن فيرجينا تتسلح لصالحه. واتهمت الصحافة الفيدرالية جيفرسون بإشعال فتيل حرب أهلية. فتم عمل اقتراع ثان، ونال الرئاسة أخيرا.

تمكّن من شراء لويزيانا. وبدلوماسيته وافق الكونجرس على منحه مبلغ إثنان مليون دولارا أمريكيا ليتحاور مع نابليون، ونال دعم الكونجرس لقيادة حملة إلى أوروبا للأدب والعلم. ولم يكن رجل دعاية وإعلان. إذ عكست أفعاله أقواله. وعمل على تقليل أعداد الجيش والبحرية. وعالج حرب طرابلس بصرامة قبل أن تتصاعد. وحرر ديفيد براون الذي تم سجنه في زمن أدامز لتنديده بحكم الرئيس، مما يشير إلى جدية جيفرسون في تطبيق حرية الرأي والإعلام الذي انقلب عليه بالنهاية. وفتحت الدولة حدودها للهاربين من الدول الأخرى. وقلّل من الدّين العام وبنفس الوقت الضرائب. وألغى ضريبة الويسكي مما زاد من شعبيته. وكان ضد الحرب لما فيها من تبعات على الاقتصاد والأرواح.

وفي فترة رئاسته تعرض لمؤامرة جابيريل. وهو عبد أسود عمره 24 عاما هدف إلى تجييش ألف عبد بالأسلحة البيضاء وقيادتهم الى ريتشموند. وذلك في 30 أغسطس 1780 واجتمع معه بعض العبيد. واجتاح الخوف والهلع بين البيض. وعمل الحاكم جيمس مونرو على نشر الجيش لحماية المدينة. واعتقل بعض العبيد وشنق البعض الآخر. وكان جيفرسون حينها في مونتسيلو. وكتب لمونرو أن يوقف الإعدام ويعجيل بالترحيل بدلا من ذلك.  فاشتدت السيطرة على العبيد بعد ذلك وزادت المحادثات حول طرد المحررين  منهم. وتم الطلب من جيفرسون بالتحادث مع أفريقيا للاتفاق على ذلك. إلا أنه رفض ذلك تعاطفا معهم.

عبقري السلام

لم يكن جيفرسون عدوانيا ولا اندفاعيا. وإنما مسالما حكيما، ومتأنيا محبا للسلام، جديرا بذلك جائزة نوبل للسلام. وكان محبا للإصلاح ومحاولا للحدّ من النزاعات. ومبادرا للمفاوضات وحتى لدفع الرشوة من أجل تحقيق السلام. فمثلا في عام 1791 أفاد بضرورة رشوة الهنود الحمر للسلام. وكان يؤمن بالعقوبات الاقتصادية بدلا من دخول الحرب كما فعل مع بريطانيا.

وتجنّب الحرب مع أوروبا باتباعه لأسلوب المفاوضات. وفي آخر سنتين له في الرئاسة كان عليه ضغط كبير من الأمريكان لشن حرب على بريطانيا إلا أنه رفض ذلك. فاستغلت بريطانيا مسالمته، وعملت على السيطرة على البحر من خلال الاستيلاء على أي سفينة متجهة إلى فرنسا دون رخصة منها. وزادت التعرفة على القطن. وذات الشيء فعل نابليون. إذ جعل كل السفن الأمريكية مستهدفة من قبل السفن الفرنسية الخاصة. فكان أمام جيفرسون 3 خيارات: الحرب أو الهدنة أو تجاهل بريطانيا. فأقنع جيفرسون الكونجرس في نوفمير 1806 على الموافقة على فرض عقوبات اقتصادية على بريطانيا. وبذلك استعاد المئات من البحارة الأمريكيين وأكثر من ألف سفينة شحن، مما ساهم في قرص الاقتصاد البريطاني وانتعاش الصناعة الأمريكية، التي أصبحت بذلك مكتفية ذاتيا.

خيانة نائبه

تمت محاكمة آرون بير نائب جيفرسون بتهمة الخيانة والتآمر ضد أمريكا في عام 1807. وكان يهدف إلى حل الولايات وشنق جيفرسون. وفي تفاصيل مؤامرته، أرسل الوزير البريطاني لأمريكا في السادس من أغسطس عام 1804 أنثوني ميل إلى لندن رسالة خاصة. وفيها أفاد باستعداد بير على إرسال خدماته للملك لفصل غرب أمريكا. واهتمت الخارجية البريطانية بالموضوع. وفتحت الحوار مع بير. وفي 29 مارس 1805، عرض بير خطة متكاملة للاستيلاء على نيو اورلينز وطلب من بريطاتيا قرضا بمقدار نصف مليون دولار، ونشر قوات بريطانية في المسيسبي. وتم وصفه بنابليون الغرب.

 وشاركه في المؤامرة كل من جوناثان دايتون، السيناتور السابق لنيوجيرسي، والوزير الإسباني يروجي. وكان الهدف الثاني لبير هو الذهاب الى المكسيك وتحرير الناس وتنصيب نفسه إمبراطورا مع ابنته. إضافة إلى الاستيلاء على نيويورك بقوة من 500 شخص. أي عمل انقلاب!

وفي 16 أكتوبر 1806، أرسل كيديان كراينجر أخبارا تلقاها من الغرب إلى البيت الأبيض. وفيها قال أن بير يريد توظيف جيشا مع أوهايو. وفي 22 أكتوبر بعث جيفرسون برسائل إلى الولايات الغربية والمقاطعات تنص على اعتقال بير لحظة تحركه. وأعلن جيفرسون في 27 نوفمبر 1806  تفاصيل المؤامرة للعامة وطلب مساعدتهم لوقف أي تمرد أو عصيان ضد الرئاسة. 

وعند اعتقال بير، كان قاضي المحكمة العليا في حينها جون مارشال. وهو من أعداء جيفرسون. فحرره لاتهامه فقط بعصيان ضد اسبانبا وقت السلام، وبمحاولة انقلاب ضد المكسيك دون التطرق إلى أمريكا. وهرب بير على متن سفينة إلى بريطانيا.

تقاعده

أفصح جيفرسون عن عدم رغبته في تولي الرئاسة لجولة ثالثة. وفرغ صبره من الانتظار الى حين العودة الى مونتيسلو. فكان أن بدأ بشحن أغراضه هناك. ونجح في زيادة مساحة الولايات إلى الضعف، وفي مواجهة استفزاز بريطانيا وفرنسا للخوض في حرب معهما، وتمكّن من المحافظة على غضبه وغضب الأمريكان. وأبقى الولايات متحدة.

وبعد عودته إلى مونتيسلو. تم الطلب منه كتابة مذكراته ورفض هذا الشيء، ثم بدأ في ذلك ولكنه أوقف العمل.

وبقي ثوريا لآخر يوم في حياته. إذ استمر بالتراسل مع الرئيس جيمس ماديسون. وأكرمه بالنصيحة والمشورة عند سؤاله بما يتعلق بحكم البلاد. ثم بنى بيتا اخر للابتعاد عن الزائرين الكثر. وتمكّن من حل خلافاته مع جون أدامز وعادا للتواصل حتى آخر يوم في حياتهما.

جامعته

انعكس شغفه في التعليم ببناء جامعة فيرجينيا في منطقة شارلوت سيفيل. وكان حلمه هذا المشروع منذ زمن طويل. وعمل بنفسه على مسح الأرض، ومساعدة المهندسان وليام ثورتون وبينجامين لاتروب بوضع التصميم لمعظم الأبنية.

واختار الهيئة التدريسية من باحثين أوروبين. وخطط لأربعة مواد حديثة إضافة إلى اللغات القديمة، ومواد أخرى منها: الرياضيات والعكسرية والميكانيكا والعمارة والبصريات والفضاء والجغرافيا والفيزياء الكيميائية وعلم التشريح والفلسفة والتاريخ الطبيعي والفنون والقانون. وتجاهل الدين إلا كفرع من الأخلاقيات. وحرص على أن تكون كلية الطب نظرية فقط .

وكانت رؤيته في هذه الجامعة هي تحرير العقل وتقصي الحقيقة أينما كانت وإلى أينما تقود بصاحبها. وافتتحت الجامعة أبوابها في مايو 1824. وبدأت بـ 218 طالب. وتمّ وصف تصميمها بالمعبد الياباني وبالقرية الأكاديمية.

وفاته

شهد جيفرسون قبل موته رحيل الكثير من أقاربه وأصدقاءه. مثل موت ابنته ماريا وحفيداه توم وآن. ومعظم موقعي إعلان الاستقلال الأميركي.

أصابه المرض الشديد. وكان غير قادرا على الجلوس والنوم. مارضته ابنته مارثا التي كانت تحرص على اعطائه دواء محضّر من الأفيون.

مات جيفرسون في 3 تموز. ولم يتمكّن من شهادة احتفال الذكرى الخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يمكنك نسخ النص!